الشيخ الطبرسي
374
تفسير مجمع البيان
الأنبياء . وقال مجاهد ، وقتادة : أوحى الله إليه ، ونبأه وهو في الجب . وكان فيما أوحى إليه : أن أكتم حالك ، واصبر على ما أصابك ، فإنك ستخبر إخوتك بما فعلوا بك في وقت لا يعرفونك . وقيل : يريد : وهم لا يشعرون بأنه أوحي إليه . وقيل : إن معنى قوله ( لتنبئنهم ) لتجازينهم على فعلهم . تقول العرب للرجل ، يتوعده بمجازاة سوء فعله : لأنبئنك ، ولأعرفنك أي : لأجازينك . وقيل أراد بذلك أنهم لما دخلوا مصر ، عرفهم يوسف ، وهم له منكرون ، فأخذ الصاع ونقره ، فطن ( 1 ) . فقال : إن هذا الجام ليخبرني أنه كان لكم أخ من أبيكم ألقيتموه في الجب ، وبعتموه بثمن بخس ، فهذا معنى قوله ( لتنبئنهم بأمرهم ) هذا عن ابن عباس . ثم بين سبحانه حالهم حين رجعوا إلى أبيهم ، فقال : ( وجاؤوا أباهم ) يعني وانقلب إخوة يوسف إلى أبيهم ( عشاء ) أي : ليلا ، أو في آخر النهار ، ليلبسوا على أبيهم ، وليكونوا أجرأ على الاعتذار ( يبكون ) وإنما أظهروا البكاء ليوهموا أنهم صادقون . وفي هذا دلالة على أن البكاء لا يوجب صدق دعوى الباكي في دعواه . قال السدي : لما سمع بكاءهم ، فزع فقال : ما بالكم ؟ ( قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ) أي : نشتد ونعدو على الأقدام ، لننظر أينا أعدى وأسبق لصاحبه ، عن الجبائي ، والسدي . وقيل : معناه ننتصل ونترامى ، فننظر أي السهام أسبق إلى الغرض ، عن الزجاج . وفي قراءة عبد الله : ننتصل ( وتركنا يوسف عند متاعنا ) أي : تركناه عند الرحل ليحفظه ( فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ) أي : ما أنت بمصدق لنا ( ولو كنا صادقين ) جواب ( لو ) محذوف أي : ولو كنا صادقين ما صدقتنا لاتهامك لنا في أمر يوسف ، ودل الكلام عليه . ولم يصفوه بأنه لا يصدق الصادق ، لأن المعنى لا يصدقهم لاتهامه لهم ، وسوء ظنه بهم ، لما ظهر له من إمارات حسدهم ليوسف ، وشدة محبته ليوسف . ( وجاءوا على قميصه بدم كذب ) معناه : إن إخوة يوسف جاؤوا أباهم ومعهم قميص يوسف ملطخا بدم ، فقالوا له : هذا دم يوسف حين أكله الذئب . وقيل : إنهم ذبحوا سخلة ، وجعلوا دمها على قميصه ، عن ابن عباس ، ومجاهد . وقيل : ظبيا ، ولم يمزقوا ثوبه ، ولم يخطر ببالهم أن الذئب إذا أكل إنسانا ، فإنه يمزق ثوبه .
--> ( 1 ) الصاع : المكيال . ونقره : ضربه ليصوت . وطن : أي صوت .