الشيخ الطبرسي
372
تفسير مجمع البيان
ببعض أشغالكم ، قالوا : وكانت أرضهم مذأبة ، وكانت الذئاب ضارية في ذلك الوقت . وقيل : إن يعقوب رأى في منامه ، كأن يوسف قد شد عليه عشرة أذؤب ليقتلوه ، وإذا ذئب منها يحمي عنه ، فكأن الأرض انشقت فدخل فيها يوسف ، فلم يخرج منها إلا بعد ثلاثة أيام ، فمن ثم قال : فلقنهم العلة ، وكانوا لا يدرون . وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه قال : لا تلقنوا الكذب فيكذبوا ، فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الانسان ، حتى لقنهم أبوهم . وهذا يدل على أن الخصم لا ينبغي أن يلقن حجة . وقيل : إنه خاف عليه أن يقتلوه ، فكنى عنهم بالذئب ، مسايرة لهم . قال ابن عباس : سماهم ذئابا ( قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة ) أي : جماعة متعاضدون متناصرون ، نرى الذئب قد قصده ، ولا نمنعه منه ( إنا إذا لخاسرون ) أي : نكون كالذين تذهب عنهم رؤوس أموالهم على رغم منهم . وقيل : معناه إنا إذا عجزة ضعفة . قال الحسن : والله لقد كانوا أخوف عليه من الذئب . وقيل : معناه إنا إذا لمضيعون بلغة قيس عيلان ، عن المؤرج . وههنا حذف ، والتقدير أنه أرسله معهم إجابة لما سألوه ليؤدي ذلك إلى الإلفة والمحبة . ( فلما ذهبوا به وأجمعوا ) أي : عزموا جميعا ( أن يجعلوه في غيابة الجب ) أي : قعر البئر ، واتفقت دواعيهم عليه ، فإن من دعاه داع واحد إلى الشئ لا يقال فيه أنه أجمع عليه ، فكأنه مأخوذ من اجتماع الدواعي . ويدل الألف واللام على أنه كان بئرا معروفة معهودة عندهم ، تجيؤها السيارة . وقيل : إنهم طلبوا بئرا قليلة الماء تغيبه ، ولا تغرقه ، فجعلوه فيها . وقيل : بل جعلوه في جانب منها . وقيل : إن يعقوب أرسله معهم ، فأخرجوه مكرما ، فلما وصلوا إلى الصحراء ، أظهروا له العداوة ، وجعلوا يضربونه ، وهو يستغيث بواحد واحد منهم ، فلا يغيثه ، وكان يقول : يا أبتاه ! فهموا بقتله ، فمنعهم يهوذا منه . وقيل : منعهم لاوي ، رواه بعض أصحابنا عنهم عليهم السلام ، فانطلقوا به إلى الجب ، فجعلوا يدلونه في البئر ، وهو يتعلق بشفير البئر ، ثم نزعوا قميصه عنه ، وهو يقول : لا تفعلوا ، ردوا علي القميص أتوارى به ! فيقولون : أدع الشمس والقمر ، والأحد عشر كوكبا يؤنسنك . فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ، ألقوه إرادة أن يموت ، وكان في البئر ماء ، فسقط فيه ، ثم آوى إلى صخرة ، فقام عليها . وكان يهوذا يأتيه بالطعام ، عن السدي . وقيل : إن الجب أضاء له ، وعذب ماؤه حتى أغناه عن الطعام والشراب .