الشيخ الطبرسي

353

تفسير مجمع البيان

فأما ما نقل عن أمير المؤمنين عليه السلام ، ورواه عنه الخاص والعام ، من الإخبار بالغائبات في خطب الملاحم وغيرها ، مثل قوله . يومئ به إلى صاحب الزنج : كأني به يا أحنف وقد سار بالجيش الذي ليس له غبار ، ولا لجب ، ولا قعقعة لجم ، ولا صهيل خيل ، يثيرون الأرض بأقدامهم ، كأنها أقدام النعام . وقوله يشير إلى مروان : أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه ، وهو أبو الأكبش الأربعة ، وستلقى الأمة منه ومن ولده موتا أحمر . وما نقل من هذا الفن عن أئمة الهدى عليهم السلام ، من أولاده مثل ما قاله أبو عبد الله عليه السلام لعبد الله بن الحسن ، وقد اجتمع هو وجماعة من العلوية والعباسية ، ليبايعوا ابنه محمدا : والله ما هي إليك ، ولا إلى ابنيك ، ولكنها لهم - وأشار إلى العباسية - وإن ابنيك لمقتولان . ثم نهض وتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري ، فقال له : أرأيت صاحب الرداء الأصفر - يعني أبا جعفر المنصور - قال : نعم . فقال : إنا والله نجده يقتله ! فكان كما قال . ومثل قول الرضا عليه السلام : بورك قبر بطوس ، وقبران ببغداد ! فقيل له : قد عرفنا واحدا فما الآخر ؟ فقال : ستعرفونه . ثم قال : قبري وقبر هارون هكذا - وضم إصبعيه - وقوله في القصة المشهورة لأبي حبيب النباحي ، وقد ناوله قبضة من التمر : لو زادك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لزدناك ! وقوله في حديث علي بن أحمد الوشا ، حين قدم ( مرو ) من ( الكوفة ) : معك حلة في السفط الفلاني ، دفعتها إليك ابنتك ، وقالت اشتر لي بثمنها فيروز . والحديث مشهور . إلى غير ذلك مما روي عنهم عليهم السلام ، فإن جميع ذلك متلقى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، مما أطلعه الله عليه ، فلا معنى لنسبة من روى عنهم هذه الأخبار المشهورة إلى أنه يعتقد كونهم عالمين للغيب . وهل هذا إلا سبب قبيح ، وتضليل لهم ، بل تكفير لا يرتضيه من هو بالمذاهب خبير ، والله يحكم بينه وبينهم ، وإليه المصير . ( وإليه يرجع الأمر كله ) أي : إلى حكمه يرجع في المعاد كل الأمور ، لأن في الدنيا قد يملك غيره بعض الأمر والنهي ، والنفع والضر . ( فاعبده وتوكل عليه ) يريد أن من له ملك السماوات والأرض ، وإليه يرجع جميع الأمور ، فحقيق أن يعبد ويتذلل له ، ويتوكل عليه ، ويوثق به ( وما ربك بغافل ) أي : بساه ( عما تعملون ) أي : عن أعمال عباده ، بل هو عالم بها ، ومجاز كلا منهم عليها ما يستحقه من ثواب وعقاب ، فلا يحزنك يا محمد إعراضهم عنك ، وتركهم القبول منك . وروي عن كعب الأحبار أنه قال : خاتمة التوراة خاتمة هود .