الشيخ الطبرسي

302

تفسير مجمع البيان

وأما من قال ( سلم ) فإن سلما يحتمل أمرين : أحدهما : أن يكون بمعنى سلام ، فيكون المعنى أمرنا سلم ، أو سلم عليكم ، ويكون سلم في الآية بمعنى سلام ، كقولهم حل وحلال ، وحرم وحرام . فيكون على هذا قراءة من قرأ سلام وسلم بمعنى واحد ، وإن اختلف اللفظان . والآخر : أن يكون سلم خلاف العدو والحرب ، لأنهم لما كفوا عن تناول ما قدمه إليهم فنكرهم ، وأوجس الخيفة منهم ، قال : أنا سلم ولست بحرب ، ولا عدو ، فلا تمتنعوا من تناول طعامي ، كما يمتنع من تناول طعام العدو ، ومن قرأ : ( ومن وراء إسحاق يعقوب ) بالرفع . كان رفعه بالابتداء ، أو بالظرف في قول من رفع به . ومن فتح فقال ( يعقوب ) احتمل ثلاثة اضرب أحدها : أن يكون ( يعقوب ) في موضع جر أي : فبشرناها بإسحاق ويعقوب . قال أبو الحسن . وهذا أقوى لأنها بشرت بهما . قال : وفي إعمالها ضعف ، لأنك فصلت بين الجار والمجرور بالظرف . والآخر : أن تحمله على موضع الجار والمجرور ، كقوله إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدا . وكقراءة من قرأ وحورا عينا بعد ( يطاف عليهم ) بكذا . ومثله : ( ولسنا بالجبال ولا الحديدا ) والثالث : أن يحمل على فعل مضمر ، كأنه قال : فبشرناها بإسحاق ، ووهبنا له يعقوب . فأما الأول : فقد نص سيبويه على فتح مثله نحو مررت بزيد أول من أمس ، وأمس عمرو وكذلك قال أبو الحسن ، لو قلت مررت بزيد اليوم وأمس عمرو ، لم يحسن . وأما الحمل على الموضع على حد مررت بزيد وعمرو ، فالفعل فيه أيضا قبيح ، كما قبح الحمل على الجر ، وذلك أن الفعل يصل بحرف العطف ، وحرف العطف هو الذي يشرك في الفعل ، وبه يصل الفعل إلى المفعول به ، كما يصل بحرف الجر . ولو قال : مررت بزيد قائما ، بجعل الحال من المجرور ، لم يجز التقديم عند سيبويه ، لأن الجار هو الموصل للفعل . فكما قبح التقديم عنده لضعف الجار العامل ، كذلك الحرف العاطف مثل الجار في أنه يشرك في الفعل ، كما يوصل الجار الفعل ، وليس نفس الفعل العامل في الموضعين جميعا . وإذا كان كذلك قبح الفصل بالظرف في العطف على الموضع ، وقبح أيضا الفصل في الرفع والنصب ، كما قبح في الجر ، لأن العاطف فيهما مثله في الجار ، وليس العامل في نفس الرافع والناصب . كما أن العامل فيما بعد حرف العطف ، ليس الجار ، إنما يشركه فيه العاطف . وقد جاء ذلك في الشعر قال الأعشى :