الشيخ الطبرسي

299

تفسير مجمع البيان

ثم احمرت في الغد ، ثم اسودت اليوم الثالث ، فهو قوله ( ذلك وعد غير مكذوب ) أي : إن ما وعدتكم به من العذاب ونزوله بعد ثلاثة أيام ، وعد صدق لا كذب فيه . وروى جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لما نزل الحجر في غزوة تبوك ، قام فخطب الناس ، وقال : يا أيها الناس ! لا تسألوا نبيكم الآيات ، فهؤلاء قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم الناقة ، وكانت ترد من ذا الفج ، فتشرب ماءهم يوم ورودها ، ويحلبون من لبنها مثل الذي كانوا يشربون من مائها يوم غبها ( 1 ) . فعتوا عن أمر ربهم ، فقال : ( تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ) وكان وعدا من الله غير مكذوب ، ثم جاءتهم الصيحة ، فأهلك الله من كان في مشارق الأرض ومغاربها منهم ، إلا رجلا كان في حرم الله ، فمنعه حرم الله من عذاب الله تعالى ، يقال له أبو رغال . قيل له : يا رسول الله ! من أبو رغال ؟ قال : أبو ثقيف . ( فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ) مر تفسيره في قصة عاد ( ومن خزي يومئذ ) قال ابن الأنباري : هذا معطوف على محذوف ، تقديره نجيناهم من العذاب ، ومن خزي يومئذ أي : من الخزي الذي لزمهم ذلك اليوم . والخزي : العيب الذي تظهر فضيحته ، ويستحي من مثله . ( إن ربك هو القوي ) أي : القادر على ما يشاء ( العزيز ) الذي لا يمتنع عليه شئ ، ولا يمنع عما أراده ( وأخذ الذين ظلموا الصيحة ) قيل : إن الله سبحانه أمر جبرائيل فصاح بهم صيحة ماتوا عندها . ويجوز أن يكون الله تعالى خلق تلك الصيحة التي ماتوا عندها . ( فأصبحوا في ديارهم ) أي : منازلهم ( جاثمين ) أي : ميتين واقعين على وجوههم . ويقال : جاثمين أي : قاعدين على ركبهم . وإنما قال : ( فأصبحوا ) لأن العذاب أخذهم عند الصباح . وقيل : أتتهم الصيحة ليلا ، فأصبحوا على هذه الصفة . والعرب تقول عند الأمر العظيم : واسوء صباحاه ! ( كأن لم يغنوا فيها ) أي : كأن لم يكونوا في منازلهم قط ، لانقطاع آثارهم بالهلاك ، إلا ما بقي من أجسادهم الدالة على الخزي الذي نزل بهم ( ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود ) قد سبق تفسيره .

--> ( 1 ) الغب - بالكسر - : من أوراد الإبل أن ترد الماء يوما ، وتدعه يوما ، ثم تعود .