الشيخ الطبرسي

264

تفسير مجمع البيان

وبدأ بقصة نوح عليه السلام فقال : ( ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين ) وقد مر بيانه ( أن لا تعبدوا إلا الله ) أي : أنذركم أن لا تعبدوا إلا الله ، عن الزجاج ، يريد أن توحدوا الله وتتركوا عبادة غيره . وبدأ بالدعاء إلى الإخلاص في العبادة . وقيل : إنه دعاهم إلى التوحيد ، لأنه من أهم الأمور إذ لا يصح شئ من العبادات إلا بعد التوحيد . ( إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم ) إنما قال ( أخاف ) مع أن عقاب الكفار مقطوع عليه ، لأنه لم يعلم ما يؤول إليه عاقبة أمرهم ، من إيمان أو كفر ، وهذا لطف في الاستدعاء ، وأقرب إلى الإجابة في الغالب ( فقال الملأ الذين كفروا من قومه ) أي : من قوم نوح لنوح عليه السلام : ( ما نراك إلا بشرا مثلنا ) ظنا منهم أن الرسول إنما يكون من غير جنس المرسل إليه ، ولم يعلموا أن البعثة من الجنس قد تكون أصلح ، ومن الشبهة أبعد ( وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ) أي : لم يتبعك الملأ ، والأشراف ، والرؤساء منا ، وإنما اتبعك أخساؤنا الذين لا مال لهم ، ولا جاه ( بادي الرأي ) أي : في ظاهر الأمر ، والرأي ، لم يتدبروا ما قلت ، ولم يتفكروا فيه . وقال الزجاج : معناه اتبعوك في الظاهر ، وباطنهم على خلاف ذلك . ومن قرأ بالهمز : فالمعنى أنهم اتبعوك ابتداء الرأي أي : حين ابتدأوا ينظرون ، ولو فكروا لم يتبعوك . وقيل : معناه إن في مبتدأ وقوع الرؤية عليهم يعلم أنهم أراذلنا وأسافلنا ( وما نرى لكم علينا من فضل ) أي : وما نرى لك ولقومك علينا من فضل ، فإن الفضل إنما يكون في كثرة المال والمنزلة في الدنيا ، والشرف في النسب ، وإنما قالوا ذلك لأنهم جهلوا طريقة الاستدلال ، ولو استدلوا بالمعجزات الدالة على نبوته ، لعلموا أنه نبي ، وأن من آمن به مؤمن ، ومن خالفه كافر . وعرفوا حقيقة الفضل ، وهكذا عادة أرباب الدنيا ، يستحقرون أرباب الدين إذا كانوا فقراء ، ويسترذلونهم ، وإن كانوا هم الأكرمين الأفضلين عند الله سبحانه ( بل نظنكم كاذبين ) هذا تمام الحكاية ، عن كفار قوم نوح ، قالوه لنوح ، ومن آمن به ( قال ) نوح لقومه ( يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ) أي : على برهان وحجة يشهد بصحة النبوة وهي المعجزة . وقال ابن عباس : على بينة أي : على يقين وبصيرة ، ومعرفة من ربوبية ربي وعظمته . واختلف في قول نوح عليه السلام هذا أنه جواب عماذا . فقيل : إنه جواب عن قولهم : ( بل نظنكم كاذبين ) فكأنه قال : بل هو جواب عن قولهم : ( ما نراك إلا بشرا مثلنا ) أي : وإن كنت بشرا فماذا تقولون إذا أتيتكم بحجة دالة على صدقي ألا تصدقونني ؟