الشيخ الطبرسي

262

تفسير مجمع البيان

الاستثناء ، إذا كان كلاما تاما فيما بعده ، وليس ما قبل ( إلا ، في هذه الآية كلاما تاما ، فإن قوله ( الذين هم أراذلنا ) فاعل لقوله ( اتبعك ) فلذلك فرق بين الموضعين . راجع كلام أبي علي : وأما تحقيق الهمزة وتخفيفها في ( الرأي ) فأهل تحقيق الهمزة يخففونها ، وأهل التخفيف يبدلون منها الألف ، وكذلك ما أشبهه من نحو البأس ، والرأس ، الفاس . ومن قرأ ( فعميت ) بالتخفيف : يقوي قوله ( اجتماعهم ) على التخفيف في قوله سبحانه ( فعميت عليهم الأنباء ) ، وهذه مثلها ، ويجوز في قوله : ( فعميت ) أمران : أحدهما : أن يكون عموهم عنها الآن ، والرحمة لا تعمي ، وإنما يعمي عنها ، فيكون كقولهم أدخلت القلنسوة في رأسي ، ونحو ذلك مما يقلب إذا لم يكن فيه إشكال . وفي التنزيل : ( فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ) وقال الشاعر : ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه ، وسائره باد إلى الشمس أجمع ( 1 ) والآخر أن يكون بمعنى خفيت ، كقول الشاعر : ومهمه أطرافه في مهمه أعمى الهدى بالحائرين العمة ( 2 ) أي : خفي الهدى ، لأن الهدى ليس بذي جارحة تلحقها هذه الآفة . ومن هذا يقال للسحاب العماء ، لاخفائه ما يخفيه ، كما قيل له الغمام . ومن هذا قول الشاعر ( ولكنني عن علم ما في غد عم ) ( 3 ) . قال : وقولهم أتاني صكة عمي : إذا أتى في الهاجرة ، وشدة الحر ، يحتمل عندنا تأويلين أحدهما : أن يكون المصدر أضيف إلى العمى ، كما قالوا : ضرب التلف أي : الضرب الذي يحدث عنه التلف والآخر : أن يكون عمي تصغير أعمى على وجه الترخيم ، وأضيف المصدر إلى المفعول به ، كقولك : من دعاء الخير ، والتقدير صكة الحر الأعمى . والمعنى : إن الحر من شدته كأنه يعمي من أصابه ( 4 ) . والمصدر في الوجهين ظرف ، نحو مقدم الحاج ، وخفوق النجم . ومن قرأ ( عميت ) اعتبر قراءة أبي والأعمش ، فعماهما عليكم ، وإسناد

--> ( 1 ) أي : فدخل الثور رأسه في الظل ، فقلب في الكلام . ( 2 ) قائله رؤبة بن العجاج . والمهمة : المفازة لا ماء فيها . ( 3 ) قائله زهير في ( المعلقة ) وقبله : ( وأعلم علم اليوم والأمس قبله ) . ( 4 ) وفي هذا المثل أقوال أخر ذكرها في اللسان في مادة ( عم ) فراجع .