الشيخ الطبرسي
258
تفسير مجمع البيان
عن تدبر الآيات ، فكأنهم لم يبصروا . ومما يجري هذا المجرى قول الأعشى : دوع هريرة إن الركب مرتحل ، وهل تطيق وداعا أيها الرجل وقد علمنا أن الأعشى كان يقدر على الوداع ، وإنما نفى الطاعة عن نفسه من حيث الكراهية والاستثقال وثالثها : إنه إنما عنى بذلك آلهتهم وأوثانهم ، وتقدير الكلام أولئك الكفار وآلهتهم لم يكونوا معجزين في الأرض ، يضاعف لهم العذاب . وقال مخبرا عن الآلهة : ( ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ) وروي ذلك عن ابن عباس ، وفيه أدنى بعد . ورابعها : إن ( ما ) هنا ليست للنفي ، بل تجري مجرى قولهم : لأواصلنك ما لاح نجم ، والمعنى أنهم معذبون ما داموا أحياء ( أولئك الذين خسروا أنفسهم ) من حيث فعلوا ما استحقوا به العقاب ، فهلكوا ، فذلك خسران أنفسهم ، وخسران النفس أعظم الخسران ، لأنه ليس عنها عوض ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) مضى بيانه مرارا ( لا جرم ) قال الزجاج : لا نفي لما ظنوا أنه ينفعهم ، كأن المعنى لا ينفعهم ذلك جرم ( أنهم في الآخرة هم الأخسرون ) أي : كسب ذلك الفعل لهم الخسران ، وقال غيرهم : معناه لا بد ولا محالة أنهم . وقيل : معناه حقا ، ويستعمل في أمر يقطع عليه ، ولا يرتاب فيه أي : لا شك أن هؤلاء الكفار هم أخسر الناس في الآخرة . النظم : اتصلت الآية الأولى بقوله ( قل فأتوا بعشر سور مثله ) والمراد أنهم إذا لم يأتوا بذلك ، فقل لهم : أفمن كان على بينة ، كمن لا يكون معه بينة . وقيل : اتصلت بقوله ( من كان يريد الحياة الدنيا ) أي : من كان مجتهدا في الدين ، كمن كان همه الحياة الدنيا وزينتها . ووجه اتصال الآية الثانية ، وهي قوله : ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) أنه سبحانه أراد أن يبين حال العاقل والغافل ، فكأنهم قالوا : وما يضرنا أن لا نعرف ذلك ، فأجيبوا بأن من لا يعرف الله ، لا يأمن أن يكذب على الله ، ومن أظلم ممن كذب على الله . ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ( 23 ) * مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون ( 24 ) .