الشيخ الطبرسي

245

تفسير مجمع البيان

الأرض ، ويدخل فيه جميع ما خلقه الله تعالى على وجه الأرض ، من الجن والإنس ، والطير والأنعام ، والوحوش والهوام ( إلا على الله رزقها ) أي : إلا الله سبحانه يتكفل برزقها ، ويوصله إليها على ما تقتضيه المصلحة ، وتوجبه الحكمة ( ويعلم مستقرها ومستودعها ) أي : يعلم موضع قرارها ، والموضع الذي أودعها فيه ، وهو أصلاب الآباء ، وأرحام الأمهات ، عن مجاهد . وقيل : مستقرها حيث تأوي إليه من الأرض ، ومستودعها حيث تموت وتبعث منه ، عن ابن عباس ، والربيع . وقيل : مستقرها ما يستقر عليه عملها . ومستودعها ما يصير إليه . ( كل في كتاب مبين ) هنا إخبار منه سبحانه أن جميع ذلك مكتوب في كتاب ظاهر ، وهو اللوح المحفوظ ، وإنما أثبت سبحانه ذلك مع أنه عالم لذاته ، لا يعزب عن علمه شئ من مخلوقاته ، لما فيه من اللطف للملائكة ، أو لمن يخبر بذلك ( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) هذا إخبار منه سبحانه ، عن نفسه بأنه أنشأهما في هذا المقدار من الزمان ، مع قدرته على أن يخلقهما في مقدار لمح البصر . والوجه في ذلك أنه سبحانه أراد أن يبين بذلك أن الأمور جارية في التدبير على منهاج الحكمة ، منشأة على ترتيب لما في ذلك من المصلحة . والمراد بقوله : ( ستة أيام ) : ما مقداره مقدار ستة أيام ، لأنه لم يكن هناك أيام بعد ، فإن اليوم عبارة عما بين طلوع الشمس ، وغروبها ( وكان عرشه على الماء ) في هذا دلالة على أن العرش والماء كانا موجودين قبل خلق السماوات والأرض . وكان الماء قائما بقدرة الله تعالى على غير موضع قرار ، بل كان الله يمسكه بكمال قدرته ، وفي ذلك أعظم الاعتبار لأهل الانكار . وقيل : إن المراد بقوله : ( عرشه ) بناؤه ، يدل عليه قوله : ( ومما يعرشون ) أي : يبنون . والمعنى : وكان بناؤه على الماء ، فإن البناء على الماء أبدع وأعجب ، عن أبي مسلم . ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) معناه : إنه خلق الخلق ، ودبر الأمور ، ليظهر إحسان المحسن ، فإنه الغرض في ذلك أي : ليعاملكم معاملة المبتلي المختبر ، لئلا يتوهم انه سبحانه يجازي العباد على حسب ما في معلومه أنه يكون منهم قبل أن يفعلوه . وفي قوله ( أحسن عملا ) دلالة على أنه قد يكون فعل حسن أحسن من حسن آخر ، لأن حقيقة لفظة أفعل يقتضي ذلك ( ولئن قلت ) يا محمد لهم ( إنكم مبعوثون من بعد الموت ) للحساب والجزاء ( ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر