الشيخ الطبرسي
200
تفسير مجمع البيان
بمضمر استغني عن ذكره لدلالة ما تقدم عليه ، وهو قوله ( قد جاءتكم موعظة من ربكم ) كما أن قوله : ( الآن وقد عصيت ) قيل : يتعلق الظرف فيه بمضمر يدل عليه ما تقدم من الفعل ، وكذلك قوله : ( الآن وقد كنتم به تستعجلون ) . فأما قوله : ( فبذلك فليفرحوا ) فإن الجار في قوله : ( فبذلك ) يتعلق بفليفرحوا ، لأن هذا الفعل اتصل بالباء . قال : وفرحوا بها . وقال : وفرحت بما قد كان من سيديكما . فأما الفاء في قوله ( فليفرحوا ) فزيادة يدلك على ذلك أن المعنى فافرحوا بذلك ، ومثل هذه الآية قول الشاعر : ( وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي ) فالفاء في قوله ( فاجزعي ) زيادة كما كانت الفاء في قوله ( فليفرحوا ) زيادة ، ولا تكون الزيادة الأولى لأن الظرف إنما يتعلق باجزعي . فأما من قرأ ( فلتفرحوا ) بالتاء : فإنه اعتبر الخطاب الذي قبل وهو قوله : ( قد جاءتكم موعظة ) وزعموا أنها في حرف أبي ( فافرحوا ) قال أبو الحسن : وزعموا أنها لغة ، وهي قليلة نحو لنضرب وأنت تخاطب . فأما من قرأ ( هو خير مما تجمعون ) بالتاء : فعلى أنه عنى المخاطبين والغيب جميعا إلا أنك غلبت المخاطبة على الغيبة . ومن قرأ بالياء كان المعنى فافرحوا بذلك أيها المؤمنون ، أي : إفرحوا بفضل الله ورحمته ، فإن ما أتاكموه من الموعظة شفاء لما في الصدور ثلج اليقين النفس بالإيمان ، وسكون النفس إليه خير مما يجمعه غيركم من أعراض الدنيا ممن فقد هذه الحال التي حزتموها . المعنى : لما تقدم ذكر القرآن ، وما فيه من الوعد والوعيد ، عقبه سبحانه بذكر جلالة موقع القرآن ، وعظم محله في باب الأدلة ، فقال : ( يا أيها الناس ) خطاب لجميع الخلق ، وتنبيه لهم ، ويقال : إنه خطاب لقريش ( قد جاءتكم موعظة من ربكم ) يعني القرآن ، والموعظة : بيان ما تجب أن يحذر عنه ، ويرغب فيه . وقيل : هي ما يدعو إلى الصلاح ، ويزجر عن الفساد ( وشفاء لما في الصدور ) الشفاء : معنى كالدواء لإزالة الداء ، فداء الجهل أضر من داء البدن ، وعلاجه أعسر ، وأطباؤه أقل ، والشفاء منه أجل . والصدر : موضع القلب ، وهو أجل موضع في البدن ، لشرف القلب . ( وهدى ) أي : ودلالة تؤدي إلى معرفة الحق ( ورحمة للمؤمنين ) أي : ونعمة لمن تمسك به ، وعمل بما فيه ، وخص المؤمنين بالذكر ، وإن كان القرآن موعظة