الشيخ الطبرسي
191
تفسير مجمع البيان
ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدى العمى ولو كانوا لا يبصرون ( 43 ) إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ( 44 ) المعنى : ثم خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( وإن كذبوك ) يا محمد ، ولم يصدقوك ، وردوا عليك قولك ( فقل ) لهم ( لي عملي ) فإن كنت كاذبا فوباله علي ( ولكم عملكم ) أي : ولكم جزاء عملكم ( أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون ) نظيره قوله ( قل يا أيها الكافرون ) إلى آخر السورة . وهذا وعيد لهم من الله تعالى كقوله : ( اعملوا على مكانتكم ) ونحوه . وقيل : إن هذه الآية منسوخة بآية القتال . وقيل إنه لا تنافي بين هذه الآية ، وآية القتال ، لأنها براءة ووعيد ، وذلك لا ينافي الجهاد . ( ومنهم من يستمعون إليك ) معناه : ومن جملة هؤلاء الكفار ، من يستمع إليك يا محمد ، والاستماع : طلب السمع ، فهم كانوا يطلبون السمع للرد لا للفهم ، فلذلك لزمهم الذم ، فإنهم إذا سمعوه على هذا الوجه ، كأنهم صم لم يستمعوه ، حيث لم ينتفعوا به ( أفأنت تسمع الصم ) هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه لم يقدر على إسماع الصم ( ولو كانوا لا يعقلون ) قال الزجاج : معناه ولو كانوا جهالا . وهذا مثل قول الشاعر ( أصم عما ساءه سميع ) . ( ومنهم من ينظر إليك ) أي : ومن جملتهم من ينظر إليك يا محمد ، فلم يخبر بلفظ الجمع هنا ، لأنه حمله على اللفظ وقال : ( من يستمعون ) ، فأخبر بلفظ الجمع حملا على المعنى ، أي : ينظر إلى أفعالك وأقوالك لا نظر الحقيقة والعبرة ، بل نظر العادة ، فلا ينتفع بنظره ( أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون ) أي : فكما أنك لا تقدر أن تبصر العمي فتنفعهم به ، كذلك لا تقدر أن تنفع بما تأتي به من الأدلة من ينظر إليها ، ولا يطلب الانتفاع بها . وقوله : ( أفأنت ) استفهام المراد به النفي . وقيل : إن معنى الآيتين ومنهم من يستمع إلى كلامك استماع الطعن والتعنت ، وينظر إلى أدلتك نظر الطاعن القادح فيها ، المكذب بها ، الراد عليها ، فلا تقدر أن تنفعهم بمثل هذا الاستماع ، والنظر . ( إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) قد تمدح سبحانه