الشيخ الطبرسي

174

تفسير مجمع البيان

( حتى إذا كنتم في الفلك ) خص الخطاب براكب البحر أي : إذا كنتم راكبي السفن في البحر ( وجرين بهم ) أي : وجرت السفن بالناس لما ركبوها ، عدل عن الخطاب إلى الإخبار عن الغائب ، تصرفا في الكلام . على أنه يجوز أن يكون خطابا لمن كان في تلك الحال ، وإخبارا لغيرهم من الناس ( بريح طيبة ) أي : بريح لينة يستطيبونها . ( وفرحوا بها ) أي : سروا بتلك الريح لأنها تبلغهم مقصودهم ، عن أبي مسلم . وقيل : فرحوا بالسفينة حيث حملتهم وأمتعتهم ( جاءتها ريح عاصف ) أي : جاءت للسفينة ريح عاصف ، شديدة الهبوب الهائلة ( وجاءهم الموج من كل مكان ) من البحر . والموج : اضطراب البحر ، ومعناه . وجاء راكبي البحر الأمواج العظيمة من جميع الوجوه . ( وظنوا أنهم أحيط بهم ) أي : أيقنوا أنهم دنوا من الهلاك . وقيل : غلب على ظنهم أنهم سيهلكون لما أحاط بهم من الأمواج ( دعوا الله ) عند هذه الشدائد والأهوال ، والتجأوا إليه ليكشف ذلك عنهم ( مخلصين له الدين ) أي : على وجه الإخلاص في الاعتقاد ، ولم يذكروا الأوثان والأصنام لعلمهم بأنها لا تنفعهم ههنا شيئا ، وقالوا : ( لئن أنجيتنا ) يا رب ( من هذه ) الشدة ( لنكونن من الشاكرين ) أي : من جملة من يشكرك على نعمك . وقوله : ( جاءتها ريح عاصف ) جواب قوله : ( إذا كنتم في الفلك ) . وقوله : ( دعوا الله ) جواب قوله ( وظنوا أنهم أحيط بهم ) . ( فلما أنجاهم ) أي : خلصهم الله تعالى من تلك المحن ( إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ) أي : يعملون فيها بالمعاصي والفساد ، ويشتغلون بالظلم على الأنبياء ، وعلى المسلمين ( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ) أي : بغي بعضكم على بعض ، وما ينالونه به متاع في الدنيا ، وإنما تأتونه لحبكم العاجلة ، وإيثارها على ما يقرب إلى الله تعالى من الطاعات . وقد مر بيانه من قبل . ( ثم إلينا مرجعكم ) في الآخرة ( فننبئكم بما كنتم تعملون ) أي : نخبركم بأعمالكم ، لأنا أثبتناها عليكم ، وهي كلمة تهديد ووعيد . النظم : قيل إنما اتصل قوله ( هو الذي يسيركم ) الآية ، بما قبله ، لأنه تفسير لبعض ما أجمل في الآية المتقدمة التي هي قوله : ( وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد