الشيخ الطبرسي

130

تفسير مجمع البيان

فجعل ثمنهم الجنة . وكان الصادق عليه السلام يقول : أيا من ليست له همة ! إنه ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة ، فلا تبيعوها إلا بها ، وأنشد الأصمعي للصادق عليه السلام . أثامن بالنفس النفيسة ربها * فليس لها في الخلق كلهم ثمن بها نشتري الجنات إن أنا * بعتها بشئ سواها إن ذلكم غبن إذا ذهبت نفسي بدنيا أصبتها * فقد ذهب الدنيا ، وقد ذهب الثمن ( يقاتلون في سبيل الله ) : هذا بيان للغرض الذي لأجله اشتراهم ( فيقتلون ) المشركين ( ويقتلون ) أي : ويقتلهم المشركون ، يعني أن الجنة عوض عن جهادهم سواء قتلوا أو قتلوا . ومن قرأ ( فيقتلون ويقتلون ) : فهو المختار عن الحسن ، لأنه يكون تسليم النفس إلى المشتري أقرب ، والبائع إنما يستحق الثمن بتسليم المبيع ( وعدا عليه حقا ) معناه : إن إيجاب الجنة لهم وعد على الله حق لا شك فيه ، وتقديره وعدهم الله الجنة على نفسه وعدا حقا ، أي : صدقا واجبا ، لا خلف فيه ( فيه التوراة والإنجيل والقرآن ) وهذا يدل على أن أهل كل ملة أمروا بالقتال وعدوا عليه الجنة ، عن الزجاج ( ومن أوفى بعهده من الله ) معناه : لا أحد أوفى بعهده من الله ، لأنه يفي ، ولا يخلف بحال ( فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ) فافرحوا بهذه المبايعة ، حتى ترى آثار السرور في وجوهكم ، بسبب هذه المبايعة ، لأنكم بعتم الشئ من مالكه ، وأخذتم ثمنه ، ولأنكم بعتم فانيا بباق وزائلا بدائم . ( وذلك هو الفوز العظيم ) أي : ذلك الشراء والبيع ، الظفر الكبير الذي لا يقاربه شئ . ثم وصف الله سبحانه المؤمنين الذين اشترى منهم الأنفس والأموال ، بأوصاف ، فقال : ( التائبون ) أي : الراجعون إلى طاعة الله ، والمنقطعون إليه ، النادمون على ما فعلوه من القبائح ( العابدون ) أي : الذين يعبدون الله وحده ، ويتذللون له بطاعته في أوامره ونواهيه . وقيل : هم الذين أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم ، فعبدوا الله في السراء والضراء ، عن الحسن ، وقتادة ( الحامدون ) أي : الذين يحمدون الله على كل حال ، عن الحسن . وقيل : هم الشاكرون لنعم الله على وجه الإخلاص له ( السائحون ) أي : الصائمون عن ابن عباس ، وابن مسعود ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد . وروي مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه قال : سياحة أمتي الصيام . وقيل : هم الذين يسيحون في الأرض ، فيعتبرون بعجائب الله تعالى . وقيل : هم طلبة العلم