الشيخ الطبرسي

115

تفسير مجمع البيان

محتمل . غير أنا نعلم أن المرتين معا قبل أن يردوا إلى عذاب النار . ( ثم يردون إلى عذاب عظيم ) أي : يرجعون يوم القيامة إلى عذاب مؤبد في النار ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم ) يعني : من أهل المدينة ، أو من الأعراب آخرون أقروا بذنوبهم ، وليس براجع إلى المنافقين . والاعتراف : الإقرار بالشئ عن معرفة ( خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ) يعني : إنهم يفعلون أفعالا جميلة ، ويفعلون أفعالا سيئة قبيحة ، والتقدير : وعملا آخر سيئا ( عسى الله أن يتوب عليهم ) قال المفسرون : عسى من الله واجبه ، وإنما قال : عسى ، حتى يكونوا بين طمع وإشفاق ، فيكون ذلك أبعد من الإتكال على العفو وإهمال التوبة وفي هذا دلالة على بطلان القول بالإحباط ، لأنه لو صح الإحباط لكان أحد العملين إذا طرأ على الآخر أحبطه وأبطله ، فلم يجتمعا ، فلا يكون لقوله : ( خلطوا ) معنى . وقال بعض التابعين : ما في القرآن آية أرجى لهذه الأمة من هذه الآية ، وقد يستعمل لفظ الخلط في الجمع من غير امتزاج ، يقال : خلط الدراهم والدنانير . وقيل : إنه يجري مجرى قولهم : استوى الماء والخشبة أي : مع الخشبة . وقيل : إن ( خلط ) بالتخفيف في الخير ، ( وخلط ) بالتشديد في الشر ( إن الله غفور رحيم ) هذا تعليل لقبول التوبة من العصاة ، أي : لأنه غفور رحيم . النزول : قال أبو حمزة الثمالي : بلغنا أنهم ثلاثة نفر من الأنصار : أبو لبابة بن عبد المنذر ، وثعلبة بن وديعة ، وأوس بن حذام ، تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عند مخرجه إلى تبوك ، فلما بلغهم ما أنزل الله فيمن تخلف عن نبيه ، أيقنوا بالهلاك ، وأوثقوا أنفسهم بسواري ( 1 ) المسجد ، فلم يزالوا كذلك حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فسأل عنهم ، فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلون أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يحلهم ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وأنا أقسم لا أكون أول من حلهم إلا أن أؤمر فيهم بأمر ، فلما نزل ( عسى الله أن يتوب عليهم ) عمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إليهم ، فحلهم فانطلقوا فجاؤوا بأموالهم إلى رسول الله ، فقالوا : هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فخذها ، وتصدق بها عنا . قال عليه السلام : ما أمرت فيها . فنزل ( خذ من أموالهم صدقة ) الآيات .

--> ( 1 ) جمع السارية : بمعنى الأسطوانة .