الشيخ الطبرسي
9
تفسير مجمع البيان
الموت ، وهم يشاهدون ذلك ، ويقرون بأنه لا محيص منه ، ثم بعد هذا يشكون ويكذبون بالبعث ، ومن قدر على ابتداء الخلق ، فلا ينبغي أن يشك في أنه يصح منه إ عادتهم ، وبعثهم الاعراب : " هو " الأشبه أن يكون ضمير القصة والحديث ، وتقديره الأمر . ( الله يعلم في السماوات وفي الأرض سركم وجهركم ) فالله : مبتدأ . ويعلم : خبره . و ( في السماوات وفي الأرض ) : في موضع النصب بيعلم و ( سركم ) : مفعوله أيضا . ولا يكون الظرف الذي هو الجار والمجرور منصوب الموضع بالمصدر ، وإن جعلنا الظرف متعلقا باسم الله جاز في قياس قول من قال إن أصل الله الإلاه . فيكون المعنى : هو المعبود في السماوات وفي الأرض يعلم ، وتقديره الأمر المعبود في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم . ومن جعل اسم الله بمنزلة أسماء الأعلام ، فلا يجوز أن يتعلق الظرف به ، إلا أن يقدر فيه ضربا من معنى الفعل ويجوز أن يكون ( هو ) مبتدأ . ( والله ) : خبره ، والعامل في قوله ( في السماوات وفي الأرض ) اسم الله ، على ما قلناه . ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر . المعنى : ثم عطف سبحانه على ما تقدم فقال : ( وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ) فيه وجوه على ما ذكرناه في الإعراب . فعلى التقدير الأول يكون معناه : الله يعلم في السماوات وفي الأرض سركم وجهركم ، ويكون الخطاب لجميع الخلق ، لأن الخلق إما أن يكونوا ملائكة فهم في السماء ، أو بشرا ، أو جنا ، فهم في الأرض . فهو سبحانه عالم بجميع أسرارهم ، وأحوالهم ، ومتصرفاتهم ، لا يخفى عليه منها شئ . ويقويه قوله : ( ويعلم ما تكسبون ) أي : يعلم جميع ما تعملونه من الخير والشر ، فيجازيكم على حسب أعمالكم وعلى التقدير الثاني : يكون معناه إن المعبود في السماوات وفي الأرض ، أو المنفرد بالتدبير في السماوات وفي الأرض ، يعلم سركم وجهركم ، فلا تخفى عليه منكم خافية ، ويكون الخطاب لبني آدم ، وإن جعلت اسم الله علما على هذا التقدير ، ثم علقت به قوله ( في السماوات وفي الأرض ) لم يجز . وإن علقته بمحذوف ، يكون خبر ( الله ) ، أو حالا عنه ، أوهم بأن يكون الباري سبحانه في محل تعالى عن ذلك علوا كبيرا .