الشيخ الطبرسي
82
تفسير مجمع البيان
( قل العفو ) فيه أقوال أحدها : إنه ما فضل عن الأهل والعيال ، أو الفضل عن الغنى ، عن ابن عباس وقتادة وثانيها : إن العفو الوسط من غير إسراف ولا اقتار ، عن الحسن وعطا ، وهو المروي عن أبي عبد الله " عليه السلام " . وثالثها : إن العفو ما فضل عن قوت السنة ، عن أبي جعفر الباقر " عليه السلام " قال : ونسخ ذلك بآية الزكاة ، وبه قال السدي . ورابعها : إن العفو أطيب المال وأفضله وقوله : ( كذلك ) إنما وحد الكاف لأن الخطاب للنبي ، ويدخل فيه الأمة . وقيل : إن تقديره كذلك أيها القبيل ( يبين الله لكم الآيات ) أي : الحجج في أمر النفقة والخمر والميسر . وقيل : في سائر شرائع الاسلام ( لعلكم تتفكرون ) أي : لكي تتفكروا ( في الدنيا والآخرة ) أي : في أمر الدنيا ، وأمر الآخرة ، فتعلمون أن الدنيا دار بلاء وعناء وفناء ، والآخرة دار جزاء وبقاء ، فتزهدوا في هذه وترغبوا في تلك . وقيل إنه من صلة ( يبين ) أي : كما يبين لكم الآيات في الخمر والميسر ، يبين لكم الآيات في أمور الدنيا والآخرة ، لكي تتفكروا في ذلك ، دلالة على أن الله أراد منهم التفكر ، سواء تفكروا أو لم يتفكروا . ( ويسألونك عن اليتامى ) قال ابن عباس : لما أنزل الله ( ولا تقربوا مال اليتيم ) الآية ، و ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) انطلق كل من كان عنده يتيم ، فعزل طعامه من طعامه ، وشرابه من شرابه ، واشتد ذلك عليهم فسألوا عنه ، فنزلت هذه الآية . ولا بد من إضمار في الكلام لأن السؤال لم يقع عن أشخاص اليتامى ، ولا ورد الجواب عنها ، فالمعنى : يسألونك عن القيام على اليتامى ، أو التصرف في أموال اليتامى ، ( قل ) يا محمد ( إصلاح لهم خير ) يعني إصلاح لأموالهم من غير أجرة ، ولا أخذ عوض منهم ، خير وأعظم أجرا ( وإن تخالطوهم ) أي : تشاركوهم في أموالهم ، وتخلطوها بأموالكم ، فتصيبوا من أموالهم عوضا عن قيامكم بأمورهم ( فإخوانكم ) أي : فهم إخوانكم . والإخوان يعين بعضهم بعضا ، ويصيب بعضهم من مال بعض . وهذا إذن لهم فيما كانوا يتحرجون منه من مخالطة الأيتام في الأموال من المأكل والمشرب والمسكن ونحو ذلك ، ورخصة لهم في ذلك إذا تحروا الصلاح بالتوفير على الأيتام ، عن الحسن ، وغيره ، وهو المروي في أخبارنا . ( والله يعلم المفسد من المصلح ) معناه : والله يعلم من كان غرضه من مخالطة اليتامى إفساد مالهم ، أو إصلاح مالهم ( ولو شاء الله لأعنتكم ) أي : لضيق عليكم في أمر اليتامى ومخالطتهم ، وألزمكم ما كنتم تجتنبونه من مشاركتهم . وقال الزجاج