الشيخ الطبرسي

482

تفسير مجمع البيان

على قتالهم في الحق ، كما يصبرون على قتالكم في الباطل . وإنما أتى بلفظ صابروا هاهنا ، لأن فاعل إنما يأتي لما يكون بين اثنين . والرباط هو المرابطة . فيكون بين اثنين أيضا ، يعني : أعدوا لهم من الخيل ما يعدونه لكم ، كقوله : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) . وثانيها : إن المراد اصبروا على دينكم ، وصابروا وعدي إياكم ، ورابطوا عدوي وعدوكم ، عن محمد بن كعب القرظي وثالثها : إن المراد اصبروا على الجهاد ، عن زيد بن أسلم . وقيل : إن معنى رابطوا أي : رابطوا الصلوات ، ومعناه : انتظروها واحدة بعد واحدة ، لأن المرابطة لم تكن حينئذ ، روي ذلك عن علي بن أبي طالب عليه أفضل الصلوات ، وأكمل التحيات . وعن جابر بن عبد الله ، وأبي سلمة ابن عبد الرحمن . وروي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه سئل عن أفضل الأعمال ، فقال : " إسباغ الوضوء في السبرات ( 1 ) ، ونقل الأقدام إلى الجماعات ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط " وروي عن أبي جعفر الباقر " عليه السلام " أنه قال : " معناه اصبروا على المصائب ، وصابروا على عدوكم ، ورابطوا عدوكم " . وهو قريب من القول الأول . وقوله : ( واتقوا الله لعلكم تفلحون ) معناه : واتقوا أن تخالفوا الله فيما يأمركم به ، لكي تفلحوا بنعيم الأبد . وقيل : معناه اتقوا عذاب الله بلزوم أمره ، واجتناب نهيه ، لكي تظفروا وتفوزوا بنيل المنية ، ودرك البغية ، والوصول إلى النجح في الطلبة ، وذلك حقيقة الفلاح . وهذه الآية تتضمن جميع ما يتناوله المكلف لأن قوله : ( اصبروا ) يتناول لزوم العبادات ، واجتناب المحرمات . ( وصابروا ) يتناول ما يتصل بالغير كمجاهدة الجن والإنس ، وما هو أعظم منها من جهاد النفس . ورابطوا يدخل فيه الدفاع عن المسلمين ، والذب عن الدين . ( واتقوا الله ) : يتناول الانتهاء عن جميع المناهي والزواجر ، والائتمار بجميع الأوامر ، ثم يتبع جميع ذلك الفلاح والنجاح . هذا آخر المجلدة الثانية من كتاب مجمع البيان لعلوم القرآن من المجلدات العشر من الأصل

--> ( 1 ) السبرات جمع السبرة : الغداة الباردة .