الشيخ الطبرسي

479

تفسير مجمع البيان

مؤكد أيضا مثل ما تقدم ذكره في قوله : ( ثوابا ) من عند الله لأن خلودهم في الجنة إنزالهم فيها ، فصار كأنه قال : نزلوها نزلا ، وهو بمعنى أنزلوها إنزالا . وقيل : هو نصب على التفسير ، كما يقال : هو لك هبة أو صدقة ، عن الفراء . و ( خالدين فيها ) : منصوب على الحال أي : مقدرا لهم الخلود فيها . النزول : نزلت في مشركي العرب ، وكانوا يتجرون ويتنعمون بها ، فقال بعض المسلمين : إن أعداء الله في العيش الرخي ، وقد هلكنا من الجوع ! فنزلت الآية . وقال الفراء : كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال ، فأنزل الله تعالى : ( لا يغرنك ) الآية . المعنى : ( لا يغرنك ) يا محمد . الخطاب له ، والمراد غيره . وقيل : معناه لا يغرنك أيها الانسان ، أو أيها السامع . ( تقلب الذين كفروا ) أي : تصرفهم ( في البلاد ) سالمين غانمين ، غير مؤاخذين بإجرامهم . أعلم الله تعالى أن ذلك مما لا ينبغي أن يغبطوا به ، لأن مأواهم ومصيرهم إلى النار بكفرهم ، ولا خير بخير بعده النار . وقوله : ( متاع قليل ) معناه : تصرفهم في البلاد والنعم ، متاع قليل أي : يتنعمون بذلك قليلا ، ثم يزول . وسماه متاعا ، لأنهم متعوا به في الدنيا . ( ثم مأواهم ) أي : مصيرهم ومرجعهم ( جهنم وبئس المهاد ) أي : ساء المستقر هي . ثم أعلم تعالى أن من أراد الله واتقاه ، فله الجنة فقال : ( لكن الذين اتقوا ربهم ) لكن للاستدراك ، فيكون بخلاف المعنى المتقدم . فمعناه : ليس للكفار عاقبة خير إنما هي للمؤمنين المتقين الذين اتقوا ربهم بفعل الطاعات ، وترك المعاصي . ( لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله ) بين سبحانه ما يصيرون إليه من النعيم المقيم في دار القرار المعدة للأبرار ، والنزل : ما يعد للضيف من الكرامة والبر والطعام والشراب . ( وما عند الله ) من الثواب والكرامة ( خير للأبرار ) مما يتقلب فيه الذين كفروا ، لأن ذلك عن قريب سيزول ، وما عند الله تعالى دائم لا يزول . ويروى عن عبد الله بن مسعود أنه قال : ما من نفس برة ولا فاجرة ، إلا والموت خير لها من الحياة . فأما الأبرار فقد قال الله : ( وما عند الله خير للأبرار ) وأما الفجار ، فقال تعالى : ( ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم ) الآية . وقوله في النفس الفاجرة : إن الموت خير لها ، إنما يعني بذلك إذا كانت تدوم على فجورها .