الشيخ الطبرسي

475

تفسير مجمع البيان

مناد ، لأن المنادي لا يسمع . وقوله ( ينادي للإيمان ) معناه إلى الإيمان ، كقوله ( الحمد لله الذي هدانا لهذا ) ومعناه : إلى هذا ، وكقول الراجز : أوحى لها القرار فاستقرت ، * وشدها بالراسيات الثبت ومثله قوله : ( بأن ربك أوحى لها ) فالمعنى : ربنا إننا سمعنا داعيا يدعو إلى الإيمان والتصديق بك ، والإقرار بوحدانيتك ، واتباع رسولك ، واتباع أمره ونهيه . وقوله ( أن آمنوا بربكم ) معناه : بأن آمنوا بربكم ، فحذف الباء . وقيل : معناه قال لنا آمنوا بربكم ( فآمنا ) أي : فصدقنا الداعي فيما دعا إليه من التوحيد والدين وأجبناه ( ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ) معناه : أسترها علينا ، ولا تفضحنا بها يوم القيامة على رؤوس الأشهاد بعقوبتك ( وكفر عنا سيئاتنا ) معناه : امحها بفضلك ورحمتك إيانا ( وتوفنا مع الأبرار ) معناه : واقبضنا إليك في جملة الأبرار ، واحشرنا معهم . فإن قيل : ما معنى قوله ( وكفر عنا سيئاتنا ) وقد أغنى عنه قوله ( فاغفر لنا ) ؟ فالجواب عنه من وجهين أحدهما : إن معناه اغفر لنا ذنوبنا ابتداء بلا توبة ، وكفر عنا إن تبنا . والثاني : إن معناه اغفر لنا ذنوبنا بالتوبة ، وكفر عنا باجتناب الكبائر من السيئات ، لأن الغفران قد يكون ابتداء ومن سبب ، والتكفير لا يكون إلا عند فعل من العبد ، والأول أليق بمذهبنا . ( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) هذه حكاية عمن تقدم وصفهم ، بأنهم يقولون : أعطنا ما وعدتنا على لسان رسلك من الثواب ( ولا تخزنا ) أي : لا تفضحنا ، أو لا تهلكنا ( يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ) وهو كلام مستأنف بدلالة أنه كسر إن . والمعنى : إنك وعدت الجنة لمن آمن بك ، وأنت لا تخلف وعدك . فإن قيل : ما وجه المسألة في إنجاز الوعد والمعلوم أنه يفعله لا محالة ؟ فالجواب عنه من وجوه أحدها : إن ذلك على وجه الانقطاع إلى الله ، والتضرع له والتعبد كما قال : ( وقل رب احكم بالحق ) ، واختاره علي بن عيسى والجبائي . والثاني : إن الكلام خرج مخرج المسألة ، والمراد الخبر أي : توفنا مع الأبرار لتؤتينا ما وعدتنا به على رسلك ، ولا تخزنا يوم القيامة ، لأنهم علموا أن ما وعد الله به حق ، ولا بد أن ينجزه والثالث : معناه السؤال والدعاء بأن يجعلهم ممن أتاهم ما وعدهم من الكرامة ، على ألسن رسله ، لا أنهم قد استحقوا منزلة الكرامة عند الله في أنفسهم .