الشيخ الطبرسي
468
تفسير مجمع البيان
جاء نحوه : وما خلت أبقى بيننا من مودة * عراض المذاكي المسنفات القلايصا ( 1 ) وإنما هو وما أبقى بيننا . فالوجه في هذه القراءة أنه لم يعد حسبت إلى مفعوليه اللذين يقتضيهما ، لأن حسبت في قوله : ( فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ) لما جعل بدلا من الأول وعدي إلى مفعوليه استغنى بهما عن تعدية الأول إليهما ، كما استغنى في قوله : بأي كتاب ، أو بأية سنة ، * ترى حبهم عارا علي ، وتحسب بتعدية أحد الفعلين إلى المفعولين عن تعدية الآخر إليهما . والفاء زائدة ، فالتقدير : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ( 2 ) بمفازة من العذاب . وأما قراءة ( فلا تحسبنهم ) بضم الباء ، فإن فعل الفاعل الذي هو يحسبن تعدى إلى ضميره ، وحذفت واو الضمير لدخول النون الثقيلة . فإن قيل : هلا لم تحذف الواو من تحسبون وأثبتها كما ثبتت في تمود بالثوب ( 3 ) ، أتحاجوني ، ونحو ذلك مما يثبت فيه التقاء الساكنين لما في الساكن الأول من زيادة المد التي تقوم مقام الحركة . فالقول فيه : إنه حذفت كما حذفت مع الخفيفة . ألا ترى أنك لو قلت : لا تحسبن زيدا ذاهب ، لم يلزمك الحذف ، فأجرى الثقيلة مجرى الخفيفة في هذا . وقوله ( بمفازة من العذاب ) في موضع المفعول الثاني ، وفيه ذكر للمفعول الأول ، وفعل الفاعل في هذا الباب يتعدى إلى ضمير نفسه ، نحو : ظننتني أخاك ، لأن هذه الأفعال لما كانت تدخل على المبتدأ والخبر ، أشبهت أن وأخواتها في دخولها على المبتدأ والخبر ، كدخول هذه الأفعال عليهما ، وذلك قولك : ظننتني ذاهبا ، كما تقول إني ذاهب . ومما يدل على ذلك قبح دخول النفس عليها لو قلت : أظن نفسي تفعل كذا ، لم يحسن كما يحسن أظنني فاعلا .
--> ( 1 ) عارضه عراضا في المسير : صار حياله . المذاكي من الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان ، المسنفات بفتح النون : الناقة التي شد عليها السناف وهو حبل يشد على البعير حتى يثبت التصدير وإنما يفعل ذلك إذا خمص بطن البعير واضطرب تصديره . والمسنفات مفعول عراض وهو وفاعل أبقى . القلوص من الإبل : الطويلة القوائم أو الشابة منها . ( 2 ) [ أنفسهم ] . ( 3 ) على بناء المفعول من تماد الثوب : تجاذباه .