الشيخ الطبرسي
463
تفسير مجمع البيان
وقيل : إن الله أمر بني إسرائيل في التوراة من جاءكم يزعم أنه نبي ، فلا تصدقوه ، حتى يأتي بقربان تأكله النار ، حتى يأتيكم عيسى ومحمد . فإذا أتياكم فآمنوا بهما بغير قربان . المعنى : ثم ذكر قولهم الآخر فقال : ( الذين قالوا ) لنبيهم ( إن الله عهد إلينا ) أي أمرنا . وقيل : أوصانا في كتبه ، وعلى ألسن رسله ( أن لا نؤمن لرسول ) أي : لا نصدق رسولا فيما يقول من أنه جاء به من عند الله تعالى ( حتى يأتينا بقربان ) أي : حتى يجيئنا بما يتقرب به إلى الله من صدقة أو بر ، تتقبل منه . وقوله : ( تأكله النار ) بيان لعلامة التقبل . فإنه كان علامة قبول قربانهم أن تنزل النار من السماء فتأكله . وكان يكون ذلك دلالة على صدق المقرب فيما ادعاه ، عن ابن عباس ( قل ) يا محمد لهؤلاء اليهود ( قد جاءكم رسل من قبلي ) يعني جاء أسلافكم ( بالبينات ) أي : بالحجج الدالة على صدقهم ، وصحة رسالتهم ، وحقيقة قولهم كما كنتم تقترحون ، وتطلبون منهم ( وبالذي قلتم ) معناه وبالقربان الذي قلتم . ( فلم قتلتموهم ) أراد بذلك زكريا ويحيى ، وجميع من قتلهم اليهود من الأنبياء . يعني لم قتلتموهم وأنتم مقرون بأن الذي جاؤوكم به من ذلك كان حجة لهم عليكم ( إن كنتم صادقين ) فيما عهد إليكم مما ادعيتموه . وهذا تكذيب لهم في قولهم ، ودلالة على عنادهم ، وعلى أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لو أتاهم بالقربان المتقبل كما أرادوه ، لم يؤمنوا به ، كما لم يؤمن آباؤهم بالأنبياء الذين أتوا به وبغير من المعجزات . وإنما لم يقطع الله عذرهم بما سألوه من القربان الذي تأكله النار ، لعلمه تعالى بأن في الإتيان به مفسدة لهم ، والمعجزات تابعة للمصالح ، ولأن ذلك اقتراح في الأدلة على الله . والذي يلزم في ذلك أن يزيح علتهم بنصب الأدلة فقط . ( فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك ) هذا تسلية للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في تكذيب الكفار إياه ، وذلك بأنه تعالى أخبر بأنه ليس بأول مكذب من الرسل ، بل كذب قبله رسل ( جاؤوا بالبينات ) أي : بالمعجزات الباهرات ( والزبر ) أي : الكتب التي فيها الحكم والزواجر ( والكتاب المنير ) قيل : المراد به التوراة والإنجيل ، لأن اليهود كذبت عيسى وما جاء به من الإنجيل ، وحرفت ما جاء به موسى من صفة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ، وبدلت عهده إليهم فيه . والنصارى أيضا جحدت ما في الإنجيل من نعته ، وغيرت ما أمرهم به فيه . والمنير : الذي ينير الحق لمن اشتبه عليه . وقيل