الشيخ الطبرسي

455

تفسير مجمع البيان

أمره عدوا وحزنا ، قال كذلك ، ومثله في قول الشاعر : أموالنا لذوي الميراث نجمعها ، * ودورنا لخراب الدهر نبنيها وقول الآخر : أأم سماك ! فلا تجزعي ، * فللموت ما تلد الوالدة وقول الآخر : فللموت تغذو الوالدات سخالها ، * كما لخراب الدهر تبنى المساكن وقول الآخر : " لدوا للموت وابنوا للخراب " . ولا يجوز أن يكون اللام لام الإرادة والغرض لوجهين أحدهما : إن إرادة القبيح قبيحة ، وتلك عنه سبحانه منفية والآخر : إنها لو كانت لام الإرادة ، لوجب أن يكون الكفار مطيعين لله تعالى ، من حيث فعلوا ما وافق إرادته ، وذلك خلاف الاجماع . وقد قال عز اسمه ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ، ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) ، ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله ) والقرآن يصدق بعضه بعضا . وعلى هذا فلا بد من تخصيص الآية فيمن علم منه أنه لا يؤمن ، لأنه لو كان فيهم من يؤمن لما توجه إليهم هذا الوعيد المخصوص . وقال أبو القاسم البلخي معناه : ولا يحسبن الذين كفروا أن املاءنا لهم رضا بأفعالهم ، وقبول لها ، بل هو شر لهم ، لأنا نملي لهم ، وهم يزدادون إثما يستحقون به العذاب الأليم ، ومثله . ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) أي : ذرأنا كثيرا من الخلق ، سيصيرون إلى جهنم بسوء أفعالهم . وقد يقول الرجل لغيره وقد نصحه فلم يقبل نصحه : ما زادك نصحي إلا شرا ، ووعظي إلا فسادا . ونظيره قوله : ( حتى أنسوكم ذكري ) . ومعلوم أن الرسل ما أنسوهم ذكر الله على الحقيقة ، وما بعثوا إلا للتذكير والتنبيه دون الإنساء ، مع أن الإنساء ليس من فعلهم ، فلا يجوز إضافته إليهم ، ولكنه إنما أضيف إليهم ، لأن دعاءه إياهم لما كان لا ينجع فيهم ، ولا يردهم عن معاصيهم ، فأضيف الإنساء إليهم . وفي هذا المعنى قوله حكاية عن نوح : ( فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ) . وروي عن أبي الحسن الأخفش والإسكافي أنهما قالا : إن في الآية تقديما وتأخيرا ، وتقديره : ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما ، إنما نملي لهم خير لأنفسهم . وهذا بعيد ، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون إنما الأخيرة مفتوحة الهمزة ، لأنها معمول ليحسبن على