الشيخ الطبرسي

416

تفسير مجمع البيان

المعنى : ثم بين تعالى أنه صدقهم وعده فقال : ( ولقد صدقكم الله وعده ) معناه : وفى الله لكم بما وعدكم من النصر على عدوكم في قوله ( بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ) الآية . وقيل : كان الوعد قول رسول الله للرماة : لا تبرحوا هذا المكان ، فإنا لانزال غالبين ما ثبتم مكانكم ( إذ تحسونهم ) أي : تقتلونهم ( بإذنه ) أي : بعلمه . وقيل : بلطفه ، لأن أصل الإذن هو الإطلاق في الفعل . واللطف : تيسير للفعل كما أن الإذن كذلك . فحسن إجراء اسمه عليه . ( حتى إذا فشلتم ) معناه : جبنتم عن عدوكم وكففتم . ( وتنازعتم في الأمر ) أي : اختلفتم ( وعصيتم ) أمر نبيكم في حفظ المكان ( من بعد ما أراكم ما تحبون ) من النصرة على الكفار ، وهزيمتهم ، والظفر بهم والغنيمة . وأكثر المفسرين على أن المراد بالجميع يوم أحد . وقال أبو علي الجبائي : معناه إن تحسونهم يوم بدر حتى إذا فشلتم يوم أحد ، وتنازعتم وعصيتم يوم أحد من بعد ما أراكم ما تحبون يوم بدر . والأولى أن يكون حكاية عن يوم أحد ، على ما بيناه . وجواب ( إذا ) ها هنا محذوف يدل الكلام عليه ، وتقديره : حتى إذا فعلتم ذلك ، ابتلاكم وامتحنكم ، ورفع النصرة عنكم ( منكم من يريد الدنيا ) يعني الغنيمة ، وهم الذين أخلوا المكان الذي رتبهم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فيه ، وأمرهم بلزومه . ( ومنكم من يريد الآخرة ) أراد عبد الله بن جبير ، ومن ثبت مكانه أي : يقصد بجهاده إلى ما عند الله . وروي عن ابن مسعود قال : ما كنت أدري أن أحدا من أصحاب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يريد الدنيا ، حتى نزلت فينا هذه الآية يوم أحد . ( ثم صرفكم عنهم ) قد ذكرنا في إضافة انصرافهم إلى الله سبحانه وجوه أحدها : إنهم كانوا فريقين : منهم من عصى بانصرافه ، ومنهم من لم يعص ، لأنهم قلوا بعد انهزام تلك الفرقة ، فانصرفوا بإذن الله ، لئلا يقتلوا ، لأن الله تعالى أوجب ثبات المائة للمأتين . فإذا نقصوا لا يجب عليهم ذلك . فجاز أن يذكر الفريقين بأنه صرفهم ، وعفا عنهم : يعني صرف بعضهم ، وعفا عن بعض ، عن أبي علي الجبائي . وثانيها : إن معناه رفع النصرة عنكم ، ووكلكم إلى أنفسكم بخلافكم للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فانهزمتم ، عن جعفر بن حرب . وثالثها . إن معناه لمن يأمركم بمعاودتهم من فورهم ، ليبتليكم بالمظاهرة في الانعام عليكم ، والتخفيف عنكم ، عن