الشيخ الطبرسي

350

تفسير مجمع البيان

به الأمر ، ومعناه : إن من وجب عليه حد ، فلاذ بالحرم ، لا يبايع ولا يشارى ولا يعامل حتى يخرج من الحرم ، فيقام عليه الحد ، عن ابن عباس ، وابن عمر ، وهو المروي عن أبي جعفر " عليه السلام " ، وأبي عبد الله " عليه السلام " . وعلى هذا يكون تقديره : ومن دخله فأمنوه . وثالثها : إن معناه من دخله عارفا بجميع ما أوجبه الله عليه ، كان آمنا في الآخرة من العذاب الدائم ، وهو المروي عن أبي جعفر " عليه السلام " . وأجمعت الأمة على أن من أصاب فيه ما يوجب الحد ، أقيم عليه الحد فيه . ثم لما بين الله فضيلته بيته الحرام ، عقبه بذكر وجوب حجة الاسلام ، فقال : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) ومعناه : ولله على من استطاع إلى حج البيت سبيلا من الناس ، حج البيت أي : من وجد إليه طريقا بنفسه وماله . واختلف في الاستطاعة فقيل : هي الزاد والرحلة ، عن ابن عباس وابن عمر . وقيل : ما يمكنه معه بلوغ مكة بأي وجه يمكن ، عن الحسن ، ومعناه القدرة على الوصول إليه ، والمروي عن أئمتنا أمه وجود الزاد والراحلة ، ونفقة من يلزمه نفقته ، والرجوع إلى كفاية إما من مال أو ضياع أو حرفة ، مع الصحة في النفس ، وتخلية السرب من الموانع ، وإمكان السير ( ومن كفر ) معناه : ومن جحد فرض الحج ، ولم يره واجبا ، عن ابن عباس والحسن . ( فإن الله غني عن العالمين ) لم يتعبدهم بالعبادة لحاجته إليها ، وإنما تعبدهم بها لما علم فيها من مصالحهم . وقيل : إن المعني به اليهود ، فإنه لما نزل قوله ( ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه ) قالوا : نحن مسلمون ، فأمروا بالحج فلم يحجوا ، وعلى هذا يكون معنى ( من كفر ) : من ترك الحج من هؤلاء فهو كافر . و ( الله غني عن العالمين ) . وقيل : المراد به كفران النعمة ، لأن امتثال أمر الله شكر لنعمته . وقد روي عن أبي أمامة ، عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال : " من لم يحبسه حاجة ظاهرة من مرض حابس ، أو سلطان جائر ، ولم يحج ، فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا " . وروي عن أبي عبد الله " عليه السلام " قال : قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " " الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب ، كما ينفي الكير خبث الحديد " . وفي هذه الآية دلالة على فساد قول من قال : إن الاستطاعة مع الفعل ، لأن الله أوجب الحج على المستطيع ، ولم يوجب على غير المستطيع ، وذلك لا يمكن إلا قبل فعل الحج .