الشيخ الطبرسي

35

تفسير مجمع البيان

به ، فجاء على أصل الأفعال للتعدية ، والآخر : إنه لما كان معناه لا تهلكوا أنفسكم بأيديكم ، دخلت الباء لتدل على هذا المعنى وهو خلاف أهلك نفسه بيد غيره . المعنى : لما أوجب سبحانه القتال في سبيل الله ، عقبه بذكر الانفاق فيه ، فقال : ( وأنفقوا في سبيل الله ) معناه : وأنفقوا من أموالكم في الجهاد ، وطريق الدين ، وكل ما أمر الله به من الخير ، وأبواب البر ، فهو سبيل الله ، لأن السبيل هو الطريق . فسبيل الله : الطريق إلى الله ، وإلى رحمة الله وثوابه . إلا أنه كثر استعماله في الجهاد ، لأن الجود بالنفس أقصى غاية الجود . والجهاد هو الأمر الذي يخاطر فيه بالروح ، فكانت له مزية . ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) قيل في معناه وجوه أحدها : إنه أراد لا تهلكوا أنفسكم بأيديكم بترك الانفاق في سبيل الله ، فيغلب عليكم العدو ، عن ابن عباس ، وجماعة من المفسرين وثانيها : إنه عنى به لا تركبوا المعاصي باليأس من المغفرة ، عن البراء بن عازب ، وعبيدة السلماني وثالثها : إن المراد لا تقتحموا الحرب من غير نكاية في العدو ، ولا قدرة على دفاعهم ، عن الثوري ، واختاره البلخي ورابعها : إن المراد ولا تسرفوا في الانفاق الذي يأتي على النفس ، عن الجبائي ، ويقرب منه ما روي عن أبي عبد الله : لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل الله ما كان أحسن ولا وفق لقوله سبحانه ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) . ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) يعني : المقتصدين . وقال عكرمة : معناه أحسنوا الظن بالله يبر بكم . وقال عبد الرحمن بن زيد : وأحسنوا بالعود على المحتاج ، والأولى حمل الآية على جميع هذه الوجوه ، ولا تنافي فيها . وفي هذه الآية دلالة على تحريم الإقدام على ما يخاف منه على النفس ، وعلى جواز ترك الأمر بالمعروف عند الخوف ، لأن في ذلك إلقاء النفس إلى التهلكة . وفيها دلالة على جواز الصلح مع الكفار والبغاة ، إذا خاف الإمام على نفسه ، أو على المسلمين كما فعله رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " عام الحديبية ، وفعله أمير المؤمنين " عليه السلام " بصفين ، وفعله " عليه السلام " مع معاوية من المصالحة لما تشتت أمره ، وخاف على نفسه وشيعته . فإن عورضنا بأن الحسين " عليه السلام " قاتل وحده ؟ فالجواب : إن فعله يحتمل وجهين أحدهما : إنه ظن أنهم لا يقتلونه لمكانه من رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " والآخر : إنه غلب على ظنه أنه لو ترك قتالهم قتله الملعون ابن زياد صبرا ، كما فعل بابن عمه مسلم ، فكان القتل مع عز النفس والجهاد ، أهون عليه .