الشيخ الطبرسي
316
تفسير مجمع البيان
اجتمعوا عند رسول الله ، فتنازعوا في إبراهيم ( 1 ) ، فقالت اليهود : ما كان إلا يهوديا . وقالت النصارى : ما كان إلا نصرانيا . فأنزل الله هذه الآية . المعنى : ( يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم ) أي : لم تنازعون وتجادلون فيه ، وتدعون أنه على دينكم . ( وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ) أي : من بعد إبراهيم ( أفلا تعقلون ) . أن الإقامة على الدعوى من غير برهان ، غير جائزة في العقل ، فكيف يجوز الإقامة على الدعوة بعد ما ظهر فسادها . فإن قيل : لو دل نزول التوراة والإنجيل بعد إبراهيم على أنه لم يكن على اليهودية والنصرانية ، لوجب أن يدل نزول القرآن بعده على أنه لم يكن على الاسلام ؟ فالجواب : إن الكل متفقون على أنه متسم باسم الاسلام ، غير أن اليهود ادعوا أن الاسلام هو اليهودية ، والنصارى ادعوا أنه هو النصرانية . والتوراة والإنجيل أنزلتا من بعد إبراهيم ، واسمه فيهما اسم الاسلام ، وليس في واحد منهما أنه كان على دين اليهودية والنصرانية . وأما القرآن وإن كان منزلا بعده ، ففيه وصف إبراهيم بدين الاسلام ، ونفي اليهودية والنصرانية عنه ، ففي هذا أوضح حجة على أنه كان مسلما ، وأن محمدا " صلى الله عليه وآله وسلم " وأمته الذين لهم اسم الاسلام أولى به منهم . وقد قيل : إن اليهود أن اليهودي اسم لمن تمسك بالتوراة ، واعتقد شريعته ، والنصارى اعتقدوا أن النصراني اسم لمن تمسك بالإنجيل ، واعتقد شريعته ، فرد الله تعالى دعوى الفريقين . وأخبر أن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعد إبراهيم ، فكيف يكون متمسكا بحكمهما . وأما نحن فلم ندع أن المسلم هو المتمسك بحكم القرآن إذ الاسلام عبارة عن الدين دون أحكام الشريعة ، فوصفناه بالإسلام كما وصفه الله به . فإن قيل : فهل كان إبراهيم متمسكا بشرائع الاسلام كلها التي نحن عليها ؟ قلنا : إنه كان متمسكا بدين الاسلام ، وببعض أحكام شريعة نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم " لا بجميعها لأن من حكم الشريعة قراءة القرآن في الصلاة ، ولم يكن ذلك في شريعته ، وإنما قلنا : إنه مسلم ، وإن كان متمسكا ببعض أحكام الشريعة ، لأن أصحاب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في بدو الاسلام ، كانوا مسلمين قبل استكمال الشرع ، وقبل نزول تمام القرآن . والواحد منا مسلم على الحقيقة ، وإن لم يعمل بجميع أحكام الشريعة .
--> ( 1 ) [ في إبراعيم ] .