الشيخ الطبرسي
295
تفسير مجمع البيان
( ويكلم الناس في المهد ) أي : صغيرا . والمهد : الموضع الذي يمهد لنوم الصبي ، ويعني بكلامه ( في المهد ) قوله : ( إني عبد الله آتاني الكتاب ) الآية . ووجه كلامه ( في المهد ) أنه تبرئة لأمه مما قذفت به ، وجلالة له بالمعجزة التي ظهرت فيه . ( وكهلا ) أي : ويكلمهم كهلا بالوحي الذي يأتيه من الله ، أعلمها الله تعالى أنه يبقى إلى حال الكهولة . وفي ذلك إعجاز لكون المخبر على وفق الخبر . وقيل : إن المراد به الرد على النصارى بما كان فيه من التقلب في الأحوال ، لأن ذلك مناف لصفة الإله ( ومن الصالحين ) أي : ومن النبيين مثل إبراهيم وموسى . وقيل : إن المراد بالآية ( ويكلمهم في المهد ) دعاء إلى الله ، وكهلا بعد نزوله من السماء ، ليقتل الدجال ، وذلك لأنه رفع إلى السماء ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، وذلك قبل الكهولة ، عن زيد بن أسلم . وفي ظهور المعجزة في المهد قولان أحدهما : إنها كانت مقرونة بنبوة المسيح ، لأنه تعالى أكمل عقله في تلك الحال ، وجعله نبيا ، وأوحى إليه بما تكلم به ، عن الجبائي . وقيل : كان ذلك على التأسيس والإرهاص ( 1 ) لنبوته ، عن ابن الأخشيد . ويجوز عندنا الوجهان . ويجوز أيضا أن يكون معجزة لمريم تدل على طهارتها ، وبراءة ساحتها ، إذ لا مانع من ذلك ، وقد دلت الأدلة الواضحة على جوازه . وإنما جحدت النصارى كلام المسيح في المهد ، مع كونه آية ومعجزة ، لأن في ذلك إبطالا لمذهبهم ، لأنه قال : ( إني عبد الله ) وهذا ينافي قولهم إنه ابن الله . فاستمروا على تكذيب من أخبر أنه شاهده كذلك . ( قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون [ 47 ] ) . الاعراب : ( فيكون ) : هاهنا لا يجوز فيه غير الرفع ، لأنه لا يصلح أن يكون جوابا للأمر الذي هو ( كن ) لأن الجواب يجب بوجود الأول نحو : ائتني فأكرمك ، وقم فأقوم معك . ولا يجوز قم فيقوم ، لأنه يكون على تقدير قم فإنك إن تقم يقم . وهذا لا معنى له ، ولكن الوجه الرفع عذ الإخبار بأنه سيقوم . ويجوز في قوله : أن
--> ( 1 ) الإرهاص : الخارق الذي يظهر من النبي قبل البعثة .