الشيخ الطبرسي

250

تفسير مجمع البيان

محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " ( في فئتين التقتا ) أي : فرقتين اجتمعتا ببدر من المسلمين والكافرين ( فئة ) فرقة ( تقاتل ) تحارب ( في سبيل الله ) في دينه وطاعته ، وهم الرسول وأصحابه ( وأخرى ) اي : فرقة أخرى ( كافرة ) وهم المشركون من أهل مكة ( يرونهم مثليهم ) أي : ضعفهم ( رأي العين ) أي : في ظاهر العين . واختلف في معناه فقيل : معناه يرى المسلمون المشركين مثلي عدد أنفسهم ، قللهم الله في أعينهم حتى رأوهم ستمائة وستة وعشرين رجلا ، تقوية لقلوبهم ، وذلك أن المسلمين قد قيل لهم : ( فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مائتين ) فأراهم الله عددهم حسب ما حد لهم من العدد الذي يلزمهم أن يقدموا عليهم ، ولا يحجموا عنهم . وقد كانوا ثلاثة أمثالهم ثم ظهر العدد القليل على العدد الكثير ، عن ابن مسعود ، وجماعة من العلماء . وقيل : إن الرؤية للمشركين ، يعني : يرى المشركون المسلمين ضعفي ما هم عليه ، فإن الله تعالى قبل القتال قلل المسلمين في أعينهم ليجترئوا عليهم ، ولا ينصرفوا . فلما أخذوا في القتال ، كثرهم في أعينهم ليجبنوا ، وقلل المشركين في أعين المسلمين ليجترئوا عليهم . وتصديق ذلك قوله تعالى : ( وإذ يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ) الآية . وذلك أحسن أسباب النصر للمؤمنين ، والخذلان للكافرين ، وهذا قول السدي . وإنما يتأتى هذا القول على قراءة من قرأ بالياء . فأما قول من قرأ بالتاء فلا يحتمله إلا قول الأول على أن يكون الخطاب لليهود الذين لم يحضروا ، وهم المعنيون بقوله : ( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون ) وهم يهود بني قينقاع فكأنه قال : ( ترون أيها اليهود المشركين مثلي المسلمين مع أن الله أظهرهم عليهم فلا تغتروا بكثرتكم ) ، واختار البلخي هذا الوجه . أو يكون الخطاب للمسلمين الذي حضروا الوقعة أي : ترون أيها المسلمون المشركين مثلي المسلمين . وقال الفراء : يحتمل قوله ( يرونهم مثليهم ) يعني ثلاثة أمثالهم ، لأنك إذا قلت عندي ألف ، وأحتاج إلى مثلها ، فأنت تحتاج إلى ألفين ، لأنك تريد أحتاج إلى مثلها مضافا إليها ، لا بمعنى بدلا منها . فكأنك قلت : أحتاج إلى مثليها . وإذا قلت : أحتاج إلى مثليها ، فأنت تحتاج إلى ثلاثة آلاف ، فكذلك في الآية المعنى ( يرونهم مثليهم ) مضافا إليهم ، فذلك ثلاثة أمثالهم . قال : والمعجز فيه إنما كان من جهة غلبة القليل الكثير .