الشيخ الطبرسي
165
تفسير مجمع البيان
أخرجته من كذا وكذا . ( والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ) أي : متولي أمورهم وأنصارهم الطاغوت . والطاغوت هاهنا واحد أريد به الجميع ، هذا جائز في اللغة إذا كان في الكلام دليل على الجماعة . قال الشاعر : بها جيف الحسرى ، فأما عظامها * فبيض ، وأما جلدها فصليب ( 1 ) فجلدها في معنى جلودها . وقال العباس بن مرداس : فقلنا : أسلموا ، وأنا أخوكم ، * فقد برئت من الإحن الصدور ( 2 ) والمراد به الشيطان ، عن ابن عباس . وقيل : رؤساء الضلالة ، عن مقاتل ( يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) أي : من نور الإيمان والطاعة والهدى ، إلى ظلمات الكفر والمعصية والضلالة . وأضاف إخراجهم من النور إلى الظلمات إلى الطواغيت ، على ما تقدم ذكره من أنهم يغوونهم ويدعونهم إلى ذلك ، ويزينون فعله لهم ، فصح إضافته إليهم . وهذا يدل على بطلان برهان قول من قال : إن الإضافة الأولى تقتضي أن الإيمان من فعل الله تعالى بالمؤمن ، لأنه لو كان كذلك لاقتضت الإضافة الثانية أن الكفر من فعل الشيطان . وعندهم لا فرق بين الأمرين في أنهما من فعله ، تعالى عن ذلك . وأيضا فلو كان الأمر على ما ظنوا ، لما صار الله تعالى وليا للمؤمنين ، وناصرا لهم على ما اقتضته الآية . والإيمان من فعله لا من فعلهم ، ولقا كان خاذلا للكفار ، ومضيفا لولايتهم إلى الطواغيت ، والكفر من فعله فيهم ، ولم يفصل بين الكافر والمؤمن ، وهو المتولي لفعل الأمرين فيهما . ومثل هذا لا يخفى على منصف . فإن قيل : كيف يخرجونهم من النور ، وهم لم يدخلوا فيه ؟ قلنا : قد ذكر فيه وجهان أحدهما : إن ذلك يجري مجرى قول القائل : أخرجني والدي من ميراثه . فمنعه من الدخول فيه اخراج . ومثله قوله في قصة يوسف : ( إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ) ولم يكن فيها قط . وقوله : ( ومنهم من يرد إلى أرذل العمر ) ، وقال الشاعر :
--> ( 1 ) الحسرى : جمع الحسير . ( 2 ) الإحن كعنب جمع الإحنة : الحقد .