الشيخ الطبرسي
14
تفسير مجمع البيان
المعنى : ثم بين سبحانه وقت الصوم فقال : ( شهر رمضان ) أي هذه الأيام المعدودات شهر رمضان ، أو كتب عليكم شهر رمضان ، أو شهر رمضان هو الشهر ( الذي أنزل فيه القرآن ) فبين أنه خصه بالصوم فيه لاختصاصه بالفضائل المذكورة ، وهو أنه أنزل فيه القرآن الذي عليه مدار الدين والأيمان . ثم اختلف في قوله ( أنزل فيه القرآن ) فقيل : إن الله أنزل جميع القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ، ثم أنزل على النبي بعد ذلك نجوما في طول عشرين سنة ، عن ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والحسن وقتادة ، وهو المروي عن أبي عبد الله . وقيل : إن الله تعالى ابتدأ إنزاله في ليلة القدر ما يحتاج إليه في تلك السنة جملة واحدة ، ثم ينزل على مواقع النجوم إرسالا في الشهور والأيام ، عن السدي ، يسنده إلى ابن عباس . وروى الثعلبي بإسناده عن أبي ذر الغفاري ، عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال : أنزلت صحف إبراهيم لثلاث مضين من شهر رمضان . وفي رواية الواحدي : في أول ليلة منه ، وأنزلت توراة موسى لست مضين من شهر رمضان ، وأنزل إنجيل عيسى لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان ، وأنزل زبور داود لثمان عشرة ليلة مضت من رمضان ، وأنزل الفرقان على محمد لأربع وعشرين من شهر رمضان . وهذا بعينه رواه العياشي عن أبي عبد الله ، عن آبائه عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " . وقيل : المراد بقوله ( أنزل فيه القرآن ) أنه أنزل في فرضه وإيجاب صومه على الخلق القرآن ، فيكون فيه بمعنى في فرضه ، كما يقول القائل : أنزل الله في الزكاة كذا ، يريد : في فرضها . ثم وصف سبحانه القرآن بقوله ( هدى للناس ) أي : هاديا للناس ، ودالا على ما كلفوه من العلوم ( وبينات من الهدى ) أي : ودلالات من الهدى . وقيل المراد بالهدى الأول : الهدى من الضلالة ، وبالثاني : بيان الحلال والحرام ، عن ابن عباس . وقيل : أراد بالأول ما كلف من العلم ، وبالثاني ما يشتمل عليه من ذكر الأنبياء وشرائعهم وأخبارهم ، لأنها لا تدرك إلا بالقرآن ، عن الأصم والقاضي . وقوله ( والفرقان ) أي : ومما يفرق بين الحق والباطل . وروي عن أبي عبد الله " عليه السلام " أنه قال : القرآن جملة الكتاب والفرقان المحكم الواجب العمل به .