الشيخ الطبرسي
62
تفسير مجمع البيان
نسائهم ، فقال مخاطبا لهم : ( يا أيها الذين آمنوا قوا ) أي : احفظوا ، واحرسوا ، وامنعوا ( أنفسكم وأهليكم نارا ) والمعنى قوا أنفسكم وأهليكم النار بالصبر على طاعة الله ، وعن معصيته ، وعن اتباع الشهوات . وقوا أهليكم النار بدعائهم إلى الطاعة ، وتعليمهم الفرائض ، ونهيهم عن القبائح ، وحثهم على أفعال الخير . وقال مقاتل بن حيان . وهو أن يؤدب الرجل المسلم نفسه وأهله ، ويعلمهم الخير ، وينهاهم عن الشر ، فذلك حق على المسلم أن يفعل بنفسه ، وأهله ، وعبيده ، وإمائه ، في تأديبهم وتعليمهم . ثم وصف سبحانه النار التي حذرهم منها فقال . ( وقودها الناس والحجارة ) أي حطب تلك النار الناس وحجارة الكبريت ، وهي تزيد في قوة النار . وقد مر تفسيره ( عليها ملائكة غلاظ شداد ) أي غلاظ القلوب ، لا يرحمون أهل النار ، أقوياء يعني الزبانية التسعة عشر وأعوانهم ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) وفي هذا دلالة على أن الملائكة الموكلين بالنار ، معصومون عن القبائح ، لا يخالفون الله في أوامره ونواهيه . وقال الجبائي : إنما عنى أنهم لا يعصونه ، ويفعلون ما يأمرهم به في دار الدنيا ، لأن الآخرة ليست بدار تكليف ، وإنما هي دار جزاء . وإنما أمرهم الله تعالى بتعذيب أهل النار ، على وجه الثواب لهم ، بأن جعل سرورهم ولذاتهم في تعذيب أهل النار ، كما جعل سرور المؤمنين ولذاتهم في الجنة . ثم حكى سبحانه ما يقال للكفار يوم القيامة فقال . ( يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم ) وذلك أنهم إذا عذبوا يأخذون في الاعتذار ، فلا يلتفت إلى معاذيرهم ، ويقال لهم : لا تعتذروا اليوم فهذا جزاء فعلكم ، وذلك قوله ( إنما تجزون ما كتم تعملون ) . ثم عاد سبحانه إلى خطاب المؤمنين في دار التكليف ، فقال : ( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله ) من معاصيه ، وارجعوا إلى طاعته ( توبة نصوحا ) أي خالصة لوجه الله . وروى عكرمة عن ابن عباس قال : قال معاذ بن جبل : يا رسول الله ! ما التوبة النصوح ؟ قال . ( أن يتوب التائب ثم لا يرجع في ذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع ) . وقال ابن مسعود : التوبة النصوح هي التي تكفر كل سيئة ، وهو في القرآن . ثم تلا هذه الآية . وقيل : إن التوبة النصوح هي التي يناصح الانسان فيها نفسه بإخلاص الندم ، مع العزم على أن لا يعود إلى مثله في القبح . وقيل : هي أن يكون العبد نادما على ما مضى ، مجمعا على أن لا يعود فيه ، عن الحسن . وقيل :