الشيخ الطبرسي

428

تفسير مجمع البيان

أي : ذي نصب . والهاوية من أسماء جهنم ، وهي المهواة التي لا يدرك قعرها . الاعراب : ( القارعة ) مبتدأ . و ( ما ) : مبتدأ ثان . وما بعده خبره . وكان حقه القارعة ما هي ، لكنه سبحانه كرر تفخيما لشأنها ، ومثله قوله : ( لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ) والجملة خبر المبتدأ الأول . ويجوز أن يكون قوله ( القارعة ) مبتدأ ويكون ( الناس ) خبره ، بمعنى أن القارعة تحدث في هذا اليوم ، فيكون قوله : ( ما القارعة وما أدراك ما القارعة ) اعتراضا . ويجوز أن يكون التقدير : هذا الأمر يقع يوم يكون الناس كالفراش المبثوث . المعنى : ( القارعة ) اسم من أسماء يوم القيامة ، لأنها تقرع القلوب بالفزع ، وتقرع أعداء الله بالعذاب ( ما القارعة ) هذا تعظيم لشأنها ، وتهويل لأمرها ، ومعناه : وأي شئ القارعة . ثم عجب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( وما أدراك ما القارعة ) يقول : إنك يا محمد لا تعلم حقيقة أمرها ، وكنه وصفها على التفصيل ، وإنما تعلمها على سبيل الاجمال . ثم بين سبحانه أنها متى تكون فقال : ( يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ) شبه الناس عند البعث بما يتهافت في النار . وقال قتادة : هذا هو الطائر الذي يتساقط في النار والسراج . وقال أبو عبيدة : هو طير ينفرش ليس بذباب ، ولا بعوض ، لأنهم إذا بعثوا ماج بعضهم إلى بعض . فالفراش إذا ثار ، لم يتجه إلى جهة واحدة ، فدل ذلك على أنهم يفزعون عند البعث ، فيختلفون في المقاصد على جهات مختلفة . وهذا مثل قوله : ( كأنهم جراد منتشر ) . ( وتكون الجبال كالعهن المنفوش ) وهو الصوف المصبوغ المندوف ، والمعنى أن الجبال تزول عن أماكنها ، وتصير خفيفة السير . ثم ذكر سبحانه أحوال الناس ، فقال : ( فأما من ثقلت موازينه ) أي رجحت حسناته ، وكثرت خيراته ( فهو في عيشة راضية ) أي معيشة ذات رضى يرضاها صاحبها ( وأما من خفت موازينه ) أي خفت فيما سبق من الكتاب . وقد ذكر سبحانه الحسنات في الموضعين ، ولم يذكر وزن السيئات ، لأن الوزن عبارة عن القدر والخطر ، والسيئة لا خطر لها ، ولا قدر ، وإنما الخطر والقدر للحسنات . فكأن المعنى : فأما من عظم قدره عند الله لكثرة حسناته ، ومن خف قدره عند الله لخفة حسناته ( فأمه هاوية ) أي فمأواه جهنم ، ومسكنه النار . وإنما سماها أمه ، لأنه يأوي إليها ، كما يأوي الولد إلى أمه ، ولأن الأصل السكون