الشيخ الطبرسي
399
تفسير مجمع البيان
فإن يك حقا يا خديجة ، فاعلمي * حديثك إيانا فأحمد مرسل وجبريل يأتيه ، وميكال معهما * من الله وحي ، يشرح الصدر منزل يفوز به من فاز عزا لدينه ، * ويشقى به الغاوي الشقي المضلل فريقان : منهم فرقة في جنانه ، * وأخرى بأغلال الجحيم تغلغل ثم وصف سبحانه ربه ، وبينه بفعله الدال عليه فقال : ( الذي خلق ) أي خلق جميع المخلوقات على مقتضى حكمته ، وأخرجه من العدم إلى الوجود بكمال قدرته ، ثم خص الانسان بالذكر تشريفا له ، وتنبيها على إبانته إياه عن سائر الحيوان فقال : ( خلق الانسان من علق ) أراد به جنس بني آدم أي : خلقهم من دم جامد بعد النطفة . وقيل : معناه خلق آدم من طين يعلق باليد ، والأول أصح . وفي هذا إشارة إلى بيان النعمة بأن خلقه من الأصل الذي هو في الغاية القصوى من المهانة . ثم بلغ به مبالغ الكمال ، حتى صار بشرا سويا مهيئا للنطق والتمييز ، مفرغا في قالب الاعتدال ، وأنه كما نقل الانسان من حال إلى حال ، حتى استكمل ، كذلك ينقلك من الجهالة إلى درجة النبوة والرسالة ، حتى تستكمل شرف محلها . ثم أكد الأمر بالإعادة فقال : ( إقرأ ) وقيل : أمره في الأول بالقراءة لنفسه ، وفي الثاني بالقراءة للتبليغ ، وليس بتكرار ، عن الجبائي ، ومعناه إقرأ القرآن ( وربك الأكرم ) أي الأعظم كرما ، فلا يبلغه كرم كريم ، لأنه يعطي من النعم ما لا يقدر على مثله غيره ، فكل نعمة توجد من جهته تعالى إما بأن اخترعها ، وإما سببها ، وسهل الطريق إليها ، وقيل : معناه بلغ قومك وربك الأكرم الذي يثيبك على عملك بما يقتضيه كرمه ، ويقويك ويعينك على حفظ القرآن ( الذي علم بالقلم ) أي علم الكاتب أن يكتب بالقلم ، أو علم الانسان البيان بالقلم ، أو علم الكتابة بالقلم . امتن سبحانه على خلقه بما علمهم من كيفية الكتابة بالقلم ، لما في ذلك من كثرة الانتفاع فيما يتعلق بالدين والدنيا . قال قتادة : القلم نعمة من الله عظيمة ، لولاه لم يقم دين ، ولم يصلح عيش . وقال بعضهم في وصفه : لعاب الأفاعي القاتلات ، لعابه * وأري الجنى اشتارته أيد عواسل ( 1 )
--> ( 1 ) الأري : العسل . اشتارته : استخرجته . وعواسل جمع عاسلة . والعاسل : مستخرج العسل . والبيت لأبي تمام الطائي يصف القلم من قصيدة يمدح بها ابن الزيات . قال الشريف المرتضى ( ره ) في أماليه : وأجمع العلماء أن هذه الأبيات أحسن وأفخم من جميع ما قيل في القلم ، ثم ذكرها في ( ج 1 : 536 - 537 من الأمالي ) .