الشيخ الطبرسي

390

تفسير مجمع البيان

للحق الذي جئتهم به ، طوعا أو كرها ، ثم كرر ذلك فقال : ( إن مع العسر يسرا ) روى عطاء عن ابن عباس قال : يقول الله تعالى : ( خلقت عسرا واحدا ، وخلقت يسرين ، فلن يغلب عسر يسرين ) . وعن الحسن قال : خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما مسرورا فرحا ، وهو يضحك ، ويقول : ( لن يغلب عسر يسرين ) : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) . قال الفراء : إن العرب تقول : إذا ذكرت نكرة ، ثم أعدتها نكرة مثلها ، صارتا اثنتين ، كقولك إذا كسبت درهما فأنفق درهما ، فالثاني غير الأول ، فإذا أعدتها معرفة فهي هي كقولك إذا كسبت الدرهم فأنفق الدرهم ، فالثاني هو الأول ، ونحو هذا ما قال الزجاج : إنه ذكر العسر مع الألف واللام ، ثم ثنى ذكره ، فصار المعنى إن مع العسر يسرين . وقال صاحب كتاب النظم في تفسير هذه الآية إن الله بعث نبيه ، وهو مقل مخف ، وكانت قريش تعيره بذلك حتى قالوا له : إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغنى ، جمعنا لك مالا حتى تكون كأيسر أهل مكة . فكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ، وظن أن قومه إنما يكذبوه لفقره ، فوعده الله سبحانه الغنى ليسليه بذلك ، عما خامره من الهم ، فقال : ( فإن مع العسر يسرا ) وتأويله : لا يحزنك ما يقولون ، وما أنت فيه من الإقلال ، فإن مع العسر يسرا في الدنيا عاجلا . ثم أنجز ما وعده فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز . وما والاها من القرى العربية ، وعامة بلاد اليمن . فكان يعطي المائتين من الإبل ، ويهب الهبات السنية ، ويعد لأهله قوت سنته . ثم ابتدأ فصلا آخر فقال : ( إن مع العسر يسرا ) والدليل على ابتدائه تعريه من فاء وواو ، وهو وعد لجميع المؤمنين ، لأنه يعني بذلك أن مع العسر في الدنيا للمؤمن يسرا في الآخرة ، وربما اجتمع له اليسران : يسر الدنيا ، وهو ما ذكر في الآية الأولى ، ويسر الآخرة ، وهو ما ذكر في الآية الثانية . فقوله صلى الله عليه وآله وسلم : لن يغلب عسر يسرين أي : يسر الدنيا والآخرة . فالعسر بين يسرين إما فرج الدنيا ، وإما ثواب الآخرة . وهذا الذي ذكره الجرجاني ، يؤيد ما ذهب إليه المرتضى ، قدس الله روحه ، من أن القائل إذا قال شيئا ، ثم كرره ، فإن الظاهر من تغاير الكلامين ، تغاير مقتضاهما ، حتى يكون كل واحد منهما ، مفيدا لما لا يفيده الآخر ، فيجب مع الإطلاق حمل الثاني على غير مقتضى الأول ، إلا إذا كان بين المتخاطبين عهد أو دلالة يعلم المخاطب بذلك ، أن المخاطب أراد بكلامه الثاني الأول ، فيحمله على ذلك ، وأنشد أبو بكر الأنباري :