الشيخ الطبرسي

361

تفسير مجمع البيان

والمقربة : القرابة . ولا يقال فلان قرابتي ، وإنما يقال : ذو قرابتي ، لأنه مصدر كما قال الشاعر : يبكي الغريب عليه ، ليس يعرفه * وذو قرابته في الحي ، مسرور والمتربة : الحاجة الشديدة من قولهم : ترب الرجل إذا افتقر . المعنى : ( لا أقسم بهذا البلد ) أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام وهو مكة . وقد تقدم بيان قوله ( لا أقسم ) في سورة القيامة . ( وأنت حل بهذا البلد ) أي وأنت يا محمد مقيم به ، وهو محلك . وهذا تنبيه على شرف البلد ، بشرف من حل به من الرسول الداعي إلى توحيده ، وإخلاص عبادته ، وبيان أن تعظيمه له ، وقسمه به ، لأجله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكونه حالا فيه ، كما سميت المدينة طيبة ، لأنها طابت به حيا وميتا . وقيل : معناه وأنت محل بهذا البلد ، وهو ضد المحرم . والمراد : وأنت حلال لك قتل من رأيت به من الكفار ، وذلك حين أمر بالقتال يوم فتح مكة ، فأحلها الله له صلى الله عليه وآله وسلم حتى قاتل وقتل . وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا يحل لأحد قبلي ، ولا يحل لأحد من بعدي ، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار ) عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطاء . وهذا وعد من الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، أن يحل له مكة حتى يقاتل فيها ، ويفتحها على يده ، ويكون بها حلا ، يصنع بها ما يريد من القتل والأسر . وقد فعل سبحانه ذلك ، فدخلها غلبة وكرها ، وقتل ابن أخطل ، وهو متعلق بأستار الكعبة ، ومقيس بن سبابة وغيرهما . وقيل : معناه لا أقسم بهذا البلد وأنت حل فيه ، منتهك الحرمة ، مستباح العرض ، لا تحترم ، فلم يبن للبلد حرمة ، حيث هتكت حرمتك ، عن أبي مسلم ، وهو المروي عن عبد الله عليه السلام قال : كانت قريش تعظم البلد ، وتستحل محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فيه ، فقال : لا أقسم بهذا البلد ، وأنت حل بهذا البلد ، يريد أنهم استحلوك فيه ، فكذبوك وشتموك ، وكانوا لا يأخذ الرجل منهم فيه قاتل أبيه ، ويتقلدون لحاء شجر الحرم ، فيأمنون بتقليدهم إياه ، فاستحلوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يستحلوا من غيره ، فعاب الله ذلك عليهم . ثم عطف على القسم فقال : ( ووالد وما ولد ) يعني آدم عليه السلام وذريته ، عن الحسن ومجاهد وقتادة . وذلك أنهم خليقة أعجب من هذه الخليقة وهم عمار الدنيا . وقيل : آدم وما ولد من الأنبياء والأوصياء ، وأتباعهم ، عن أبي عبد الله عليه السلام .