الشيخ الطبرسي

343

تفسير مجمع البيان

وتر ، وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد ، ويكسرون الوتر في الذحل ( 1 ) ، وقيس وتميم يسوونهما في الكسر ، ويقولون في الوتر الذي هو الإفراد : أوترت وأنا أوتر ايتارا أي : جعلت أمري وترا . وفي الذحل وترته أتره وترا وترة . قال أبو بكر : وترته في الذحل ، إنما هو أفردته من أهله وماله . ومن قرأ يكرمون وما بعده بالياء ، فلما تقدم من ذكر الانسان ، والمراد به الجنس والكثرة على لفظ الغيبة . ولا يمتنع في هذه الأشياء الدالة على الكثرة ، أن يحمل على اللفظ مرة ، وعلى المعنى أخرى . ومن قرأ بالتاء ، فعلى معنى قل لهم ذلك ، ومعنى لا تحضون على طعام المسكين ، لا تأمرون به ، ولا تبعثون عليه ، ولا تحاضون تتفاعلون منه . وقوله : ( ولا يعذب عذابه أحد ) معناه : لا يعذب تعذيبه فوضع العذاب موضع التعذيب ، كما وضع العطاء موضع الإعطاء في قوله : ( وبعد عطائك المائة الرتاعا ) ( 2 ) . فالمصدر الذي هو عذاب مضاف إلى المفعول به ، مثل دعاء الخير . والمفعول به الانسان المتقدم ذكره في قوله ( يوم يتذكر الانسان ) والوثاق أيضا موضع الإيثاق . فأما من قرأ ( لا يعذب ) فقد قيل : إن المعنى فيه أنه لا يتولى عذاب الله تعالى يومئذ أحد ، والأمر يومئذ أمره ، ولا أمر لغيره . هذا قول . وقد قيل أيضا : لا يعذب أحد في الدنيا مثل عذاب الله في الآخرة ، وكأن الذي حمل قائل هذا القول على أن قاله ، أنه إن حمله على ظاهره ، كان المعنى لا يعذب أحد في الآخرة مثل عذاب الله ، ومعلوم أنه لا يعذب أحد في الآخرة ، مثل عذاب الله . إنما المعذب الله تعالى . فعدل عن الظاهر لذلك . ولو قيل : إن المعنى فيومئذ لا يعذب أحد أحدا تعذيبا مثل تعذيب الكافر المتقدم ذكره ، فأضيف المصدر إلى المفعول به كما أضيف إليه في القراءة الأولى ، ولم يذكر الفاعل كما لم يذكره في مثل قوله تعالى ( من دعاء الخير ) لكان المعنى في القراءتين سواء ، والذي يرد بأحد الملائكة الذين يتولون تعذيب أهل النار ، ويكون ذلك كقوله ( يوم يسحبون في النار على وجوههم ) وقوله ( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ) وقوله . ( ولهم مقامع من حديد ) لا شبهة أن يكون هذا القول أولى ، والفاعل له هم الملائكة .

--> ( 1 ) الذحل : الثأر . ( 2 ) هذا ( عجز بيت للقطامي من قصيدة طويلة يمدح فيها زفر بن الحارث الكلابي ، وكان القطامي قد أسر في بعض الحروب فأطلقه زفر ، ووهب له مئة من الإبل . وصدره : ( أكفر بعد رد الموت عني ) . والرتاع : التي تستام وترتع وترعى ولا من يردها ، وذلك مما يورثها سمنا .