الشيخ الطبرسي
339
تفسير مجمع البيان
أي كيف بسطها الله ووسعها ، ولولا ذلك لما صح الاستقرار عليها ، والانتفاع بها ، وهذه من نعم الله سبحانه على عباده ، لا توازيها نعمة منعم . وفيها دلائل على توحيده ، ولو تفكروا فيها لعلموا أن لهم صانعا صنعهم ، وموجدا أوجدهم . ولما ذكر سبحانه الأدلة ، أمر نبيه بالتذكير بها فقال : ( فذكر ) يا محمد . والتذكير التعريف للذكر بالبيان الذي يقع به الفهم . والنفع بالتذكير عظيم ، لأنه طريق للعلم بالأمور التي يحتاج إليها . ( إنما أنت مذكر ) لهم بنعم الله تعالى عندهم ، وبما يجب عليهم في مقابلتها من الشكر والعبادة . وقد أوضح الله تعالى طريق الحجج في الدين ، وأكده غاية التأكيد بما لا يسع فيه التقليد بقوله : ( إنما أنت مذكر ) وقوله : ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) ، وقوله ( إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ) ، و ( لقوم يذكرون ) ، و ( يتفكرون ) . وقيل : إن المراد فذكرهم بهذه الأدلة ، وأمرهم بالاستدلال بها ، ونبههم عليها ، عن الجبائي ، وأبي مسلم . ( لست عليهم بمصيطر ) معناه : لست عليهم بمتسلط تسليطا ، يمكنك أن تدخل الإيمان في قلوبهم ، وتجبرهم عليه . وإنما الواجب عليك الإنذار ، فاصبر على الإنذار والتبليغ والدعوة إلى الحق . وقيل : معناه لست عليهم بمتسلط الآن حتى تقاتلهم إن خالفوك ، وكان هذا قبل نزول آية الجهاد . ثم نسخ بالأمر بالقتال . والوجه الصحيح أنه لا نسخ فيه لأن الجهاد ليس بأكره للقلوب . والمراد : إنك إنما بعثت للتذكير ، وليس عليك من ترك قبولهم شئ . ( إلا من تولى وكفر ) أي أعرض عن الذكر ، ولم يقبل منك ، وكفر بالله ، وبما جئت به ، فكل أمره إلى الله ، عن الحسن . وقيل : معناه إلا من تولى وكفر ، فلست له بمذكر ، لأنه لا يقبل منك ، فكأنك لست تذكره . ( فيعذبه الله العذاب الأكبر ) وهو الخلود في النار ، ولا عذاب أعظم منه . ثم ذكر سبحانه أن مرجعهم إليه فقال : ( إن إلينا إيابهم ) أي مرجعهم ومصيرهم بعد الموت ( ثم إن علينا حسابهم ) أي جزاءهم على أعمالهم . فهذا جامع بين الوعد والوعيد ومعناه : لا يهمنك أمرهم ، فإنهم وإن عاندوك وآذوك ، فمصير جميعهم إلى حكمنا ، لا يفوتوننا ، ومجازاتهم علينا ، وعن قريب تقر عينك بما تراه في أعدائك . النظم : يسأل كيف يتصل ذكر الإبل وما بعدها ، بذكر وصف الجنان ونعيمها ؟ ( والجواب ) : إنه يتصل بأول السورة ، والضمير في قوله ( ينظرون ) عائد إلى الذين وصفهم بقوله ( عاملة ناصبة ) . وإنه لما ذكر عقابهم ، وثواب المؤمنين ، عاد عليهم