الشيخ الطبرسي
308
تفسير مجمع البيان
عليكم ما جرى عليهم ، حذو القذة بالقذة . ( 1 ) . ثم تال سبحانه على وجه التقريع لهم والتبكيت . ( فما لهم ) يعني كفار قريش ( لا يؤمنون ) بمحمد ( ص ) والقرآن والمعنى : أي شئ لهم إذا لم يؤمنوا ، وهو استفهام إنكار أي : لا شئ لهم من النعيم والكرامة ، إذا لم يؤمنوا . وقيل : معناه فما وجه الارتياب الذي يصرفهم عن الإيمان ، وهو تعجب منهم في تركهم الإيمان ، والمراد : أي مانع لهم ، وأي عذر لهم في ترك الإيمان ، مع وضوح الدلائل . ( وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ) عطف على قوله ( فما لهم لا يؤمنون ) أي ما الذي يصرفهم عن الإيمان وعن السجود لله تعالى ، إذا تلي عليهم القرآن . وقيل : معنى لا يسجدون لا يصلون لله تعالى ، عن عطا والكلبي . وفي خبر مرفوع عن أبي هريرة قال : قرأ رسول لله ( ص ) ( إذا السماء انشقت ) فسجد . ثم قال سبحانه : ( بل الذين كفروا يكذبون ) أي لم يتركوا الإيمان لقصور في البيان ، أو لانقطاع من البرهان ، لكنهم قلدوا أسلافهم ورؤساءهم في التكذيب بالرسول والقرآن ( والله أعلم بما يوعون ) أي يجمعون في صدورهم ، ويضمرون في قلوبهم من التكذيب والشرك ، عن ابن عباس وقتادة ومقاتل . وقيل : بما يجمعون من الأعمال الصالحة والسيئة ، عن ابن زيد . قال الفراء : أصل الإيعاء جعل الشئ في وعاء ، والقلوب أوعية لما يحصل فيها من علم أو جهل . وفي كلام أمير المؤمنين ( ع ) : إن هذه القلوب أوعية ، فخيرها أوعاها ، ثم قال : ( فبشرهم ) يا محمد ( بعذاب أليم ) أي اجعل ذلك لهم بدل البشارة للمؤمنين بالرحمة . ثم استثنى سبحانه المؤمنين من جملة المخاطبين فقال : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ) أي غير منقوص ، ولا مقطوع ، لأن نعيم الآخرة غير منقطع ، عن ابن عباس . وقيل غير منقص ، ولا مكدر بالمن ، عن الجبائي ، وروي ذلك عن الحسن . وقيل : له من وله منة ، وإنما قيل له من ومنة ، لأنه يقطع عن شكر النعمة ، وأصل المن القطع . يقال : مننت الحبل إذا قطعته . قال لبيد :
--> ( 1 ) القذة : ريش السهم ، يضرب مثلا للشيئين يستويان ، ولا يتفاوتان .