الشيخ الطبرسي

284

تفسير مجمع البيان

القراءة : قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر : ( فعدلك ) خفيفة . والباقون بالتشديد . وقرأ أبو جعفر : بل يكذبون بالياء . والباقون بالتاء ، وقرأ ابن كثير ، وأهل البصرة : ( يوم لا تملك ) بالرفع . والباقون بالنصب . وفي الشواذ قراءة سعيد بن جبير : ( ما أغرك بربك ) . الحجة : أما ( عدلك ) بالتشديد فمعناه : عدل خلقك فأخرجك في أحسن تقويم . وأما ( عدلك ) بالتخفيف فمعناه : عدل بعضك ببعض ، فكنت معتدل الخلقة متناسبها ، فلا تفاوت فيها . وقوله : ( يكذبون ) بالياء يكون إخبارا عن الكفار . وبالتاء على خطابهم . وأما وجه الرفع في قوله . ( يوم لا تملك نفس ) أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هو يوم لا تملك . والمعنى يوم الدين يوم لا تملك نفس . وأما النصب : فإنه لما قال ( وما أدراك ما يوم الدين ) فجرى ذكر الدين ، وهو الجزاء قال . ( يوم لا تملك ) يعني الجزاء يوم لا تملك نفس ، فصار ( يوم لا تملك ) خبر الجزاء المضمر ، لأنه حدث . وتكون أسماء الزمان أخبارا عن الحدث . ويجوز النصب على وجه آخر وهو أن اليوم لما جرى في أكثر الأمر ظرفا ، ترك على ما كان يكون عليه في أكثر أمره . والدليل على ذلك ما اجتمع عليه القراء والعرب في قوله تعالى : ( وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ) ومما يقوي النصب في ذلك قوله : ( وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس ) . وقوله : ( يسألون أيان يوم الدين يوم هم على النار يفتنون ) فالنصب في ( يوم لا تملك نفس ) مثل هذا ونحوه . قال أبو الحسن : ولو رفع ذلك كله كان جيدا ، إلا أنا نختار ما عليه الناس . وأما من قرأ ( ما أغرك ) . فيجوز أن يكون معناه : ما الذي دعاك إلى الاغترار به . ويجوز أن يكون تعجبا . وقد قيل في قوله ( فما أصبرهم على النار ) هذان الوجهان . وأغرك يجوز أن يكون من الغر والغرارة ، فيكون معناه : ما أجهلك وما أغفلك ، عما يراد بك . ويجوز أن يكون من الغرور على غير القياس كما قيل في المثل : ( أشغل من ذات النحيين ) ( 1 ) .

--> ( 1 ) النحي : زق السمن . وذات النحيين : هي امرأة من بني تيم ، كانت تبيع السمن في الجاهلية ، فأتاها خوات بن جبير ، يبتاع منها سمنا ، فلم ير عندها أحدا ، وساومها . فحلت نحيا فنظر إليه ، ثم قال : أمسكيه حتى أنظر إلى غيره فقالت : حل نحيا آخر . ففعل فنظر إليه . فقال : أريد غير هذا فأمسكيه ، ففعلت . فلما شغل يديها ، أتى خلفها وهي منحنية ، فرفع ثوبها ، وأدخل فيها ، فلم تقدر على دفعه ، حتى قضى ما أراد وهرب . ثم أسلم خوات ، فقال له رسول الله ( ص ) : كيف شراؤك يا خوات ؟ وتبسم !