الشيخ الطبرسي
214
تفسير مجمع البيان
تكون في النطفة ، عن ابن مسعود . وقيل : أمشاج أخلاط من الطبائع التي تكون في الانسان من الحرارة ، والبرودة ، واليبوسة ، والرطوبة ، جعلها الله في النطفة ، ثم بناه الله البنية الحيوانية المعدلة الأخلاط . ثم جعل فيه الحياة . ثم شق له السمع والبصر . فتبارك الله رب العالمين وذلك قوله : ( فجعلناه سميعا بصيرا ) وقوله ( نبتليه ) أي نختبره بما نكلفه من الأفعال الشاقة ليظهر إما طاعته ، وإما عصيانه ، فنجازيه بحسب ذلك . قال الفراء معناه ( فجعلناه سميعا بصيرا ) لنبتليه أي : لنتعبده ونأمره وننهاه والمراد فأعطيناه آلة السمع والبصر ، ليتمكن من السمع والبصر ، ومعرفة ما كلف . ( إنا هديناه السبيل ) أي بينا له الطريق ، ونصبنا له الأدلة ، وأزحنا له العلة ، حتى يتمكن من معرفة الحق والباطل . وقيل : هو طريق الخير والشر ، عن قتادة . وقيل : السبيل هو طريق معرفة الدين الذي به يتوصل إلى ثواب الأبد ، ويلزم كل مكلف سلوكه ، وهو أدلة العقل والشرع التي يعم جميع المكلفين ( إما شاكرا وإما كفورا ) قال الفراء : معناه إن شكر وإن كفر على الجزاء . وقال الزجاج : معناه ليختار إما السعادة وإما الشقاوة ، والمراد إما أن يختار بحسن اختياره الشكر لله تعالى ، والاعتراف بنعمه ، فيصيب الحظ . وإما أن يكفر نعم الله ، ويجحد إحسانه ، فيكون ضالا عن الصواب ، فأيهما اختار جوزي عليه بحسبه . وهذا كقوله ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) وفي هذه الآية دلالة على أن الله قد هدى جميع خلقه ، لأن اللفظ عام . ثم بين سبحانه ما أعده للكافرين فقال : ( إنا اعتدنا للكافرين ) أي هيأنا وادخرنا لهم جزاء على كفرانهم وعصيانهم ( سلاسل ) يعني في جهنم كما قال في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا ( وأغلالا وسعيرا ) نار موقدة نعذبهم بها ، ونعاقبهم فيها . ثم ذكر ما أعده للشاكرين المطيعين فقال : ( إن الأبرار ) وهو جمع البر المطيع لله المحسن في أفعاله . وقال الحسن : هم الذين لا يؤذون الذر ، ولا يرضون الشر . وقيل : هم الذين يقضون الحقوق اللازمة والنافلة . وقد أجمع أهل البيت عليه السلام وموافقوهم ، وكثير من مخالفيهم ، أن المراد بذلك : علي ، وفاطمة ، والحسن والحسين عليه السلام . والآية مع ما بعدها متعينة فيهم . وأيضا فقد انعقد الاجماع على أنهم كانوا أبرارا ، وفي غير هم خلاف .