الشيخ الطبرسي

198

تفسير مجمع البيان

البيان عن وقت الحاجة ، وإنما يدل على جواز تأخير البيان ، عن وقت الخطاب ( كلا ) أي لا تتدبرون القرآن ، وما فيه من البيان ( بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة ) أي تختارون الدنيا على العقبى ، فيعملون للدنيا لا للآخرة ، جهلا منهم ، وسوء اختيار . ثم بين سبحانه حال الناس في الآخرة فقال : ( وجوه يومئذ ) يعني يوم القيامة ( ناضرة ) أي ناعمة بهجة حسنة ، عن ابن عباس ، والحسن . وقيل : مسرورة ، عن مجاهد . وقيل : مضيئة بيض يعلوها النور ، عن السدي ، ومقاتل . جعل الله سبحانه وجوه المؤمنين المستحقين للثواب بهذه الصفة ، علامة للخلق والملائكة ، على أنهم الفائزون ( إلى ربها ناظرة ) اختلف فيه على وجهين أحدهما . إن معناه نظر العين والثاني : إنه الانتظار . واختلف من حمله على نظر العين على قولين أحدهما : إن المراد : إلى ثواب ربها ناظرة أي هي ناظرة إلى نعيم الجنة ، حالا بعد حال ، فيزداد بذلك سرورها . وذكر الوجوه والمراد أصحاب الوجوه . روى ذلك عن جماعة من علماء المفسرين من الصحابة والتابعين لهم وغيرهم . فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، كما في قوله تعالى : ( وجاء ربك ) أي أمر ربك . وقوله : ( وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار ) أي إلى طاعة العزيز الغفار ، وتوحيده . وقوله . ( إن الذين يؤذون الله ) أي أولياء الله . والآخر : إن النظر بمعنى الرؤية والمعنى تنظر إلى الله معاينة ، رووا ذلك عن الكلبي ومقاتل وعطاء وغيرهم . وهذا لا يجوز لأن كل منظور إليه . بالعين مشار إليه بالحدقة واللحاظ ، والله يتعالى عن أن يشار إليه بالعين ، كما يجل سبحانه عن أن يشار إليه بالأصابع ، وأيضا فإن الرؤية بالحاسة ، لا تتم إلا بالمقابلة والتوجه . والله يتعالى عن ذلك بالاتفاق . وأيضا فإن رؤية الحاسة لا تتم إلا باتصال الشعاع بالمرئي ، والله منزه عن اتصال الشعاع به ، على أن النظر لا يفيد الرؤية في اللغة ، فإنه إذا علق بالعين أفاد طلب الرؤية ، كما أنه إذا علق بالقلب ، أفاد طلب المعرفة ، بدلالة قولهم : نظرت إلى الهلال ، فلم أره . فلو أفاد النظر الرؤية لكان هذا القول ساقطا متناقضا . وقولهم : ما زلت أنظر إليه حتى رأيته . والشئ لا يجعل غاية لنفسه ، فلا يقال : ما زلت أراه حتى رأيته ، ولأنا نعلم الناظر بالضرورة ، ولا نعلمه رائيا بالضرورة ، بدلالة أنا نسأله هل رأيت أم لا ؟ وأما من حمل النظر في الآية على