عبد الله بن قدامه
58
كتاب التوابين
الغضب عدو للنفس يحول بينها وبين الحق ويدعوها إلى هواها ، وينبغي لمن قدر ألا يغضب فإنه ، قادر على ما يريد . قال : تكلم . قال : فبدأ ذو الكفل وافتتح الكلام بذكر الله عز وجل ، والحمد لله ، ثم قال ذو الكفل : أتزعم أنك إله ؟ فإله من تملك ؟ أو إله جميع الخلق ؟ فإن كنت إله من تملك ، فإن لك شريكا فيما لا تملك ، وإن كنت إله الخلق ، فمن إلهك ؟ قال له : ويحك ! فمن إلهي ؟ قال : إله السماء والأرض وهو خالقهما وهذه الشمس والقمر والنجوم ، فاتق الله واحذر عقوبته ، فإن أنت عبدته ووحدته رجوت لك ثوابا والخلود في جواره . قال له الملك : أخبرني ، من عبد إلهك فما جزاؤه ؟ قال : الجنة إذا مات . قال : وما الجنة ؟ قال : دار خلقها الله تبارك وتعالى بيده ، فجعلها مسكنا لأوليائه ، يبعثهم يوم القيامة شبابا مردا أبناء ثلاث وثلاثين سنة ، فيدخلهم الجنة في نعيم وخلود . شباب لا يهرمون ، مقيمون لا يظعنون ، أحياء لا يموتون ، في نعيم وسرور وبهجة . قال : فما جزاء من لم يعبده وعصاه ؟ قال : النار ، مقرونين مع الشياطين ، مغلغلين بالأصفاد ، لا يموتون أبدا ، في عذاب مقيم وهوان طويل ، تضربهم الزبانية بمقامع من حديد ، طعامهم الزقوم والضريع ، وشرابهم الحميم . فرق الملك وبكى لما كان قد سبق له . فقال له : إن أنا آمنت بالله فما لي ؟ قال : الجنة . قال : فمن لي بذلك ؟ قال : أنا لك الكفيل ، وأكتب لك على الله تبارك وتعالى كتابا ، فإذا أتيته تقاضيته بما في كتابك ، وفي لك ، فإنه قادر قاهر يوفيك ويزيدك . ففكر الملك في