عبد الله بن قدامه
38
كتاب التوابين
فمكث حولا ، ثم ركب على مثل حاله . فبينا هو يسير إذا هو بسرير تحمله الرجال على عواتقها . فقال : ما هذا ؟ قالوا : رجل مات . قال لهم : وما الموت ؟ إيتوني به ! فأتوه به . فقال : أجلسوه . فقالوا . إنه لا يجلس . قال : كلموه . قالوا : إنه لا يتكلم . قال . فأين تذهبون . به ؟ قالوا : ندفنه تحت الثرى . قال : فيكون ماذا بعد هذا ؟ قالوا : الحشر . قال لهم : وما الحشر ؟ قالوا : ( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) [ المطففين : 5 ] ، فيجزى كل واحد على قدر حسناته وسيئاته . قال : ولكم دار غير هذه تجازون فيها ؟ قالوا : نعم . فرمى بنفسه من الفرس وجعل يعفر وجهه في التراب ، وقال لهم : من هذا كنت أخشى ! كاد هذا يأتي علي وأنا لا أعلم به ، أما ورب يعطي ويحشر ويجازي ! إن هذا آخر العهد بيني وبينكم ، فلا سبيل لكم علي بعد هذا اليوم . فقالوا : لا ندعك حتى نردك إلى أبيك . قال : فردوه إلى أبيه ، وكاد ينزف دمه . فقال : يا بني ! ما هذا الجزع ؟ قال : جزعي ليوم يعطي فيه الصغير والكبير مجازاتهما ما عملا من الخير والشر . فدعا بثياب فلبسها ، وقال : إني عازم في الليل أن أخرج . فلما كان في نصف الليل ، أو قريبا منه ، خرج . فلما خرج من باب القصر ، قال : الهم ! إني أسألك أمرا ليس لي منه قليل ولا كثير ، قد سبقت فيه المقادير . إلهي ! لوددت أن الماء كان في