الآمدي
45
الاحكام
ومن ذلك اختلافهم في قول الرجل لزوجته أنت علي حرام حتى قال أبو بكر وعمر : هو يمين . وقال علي وزيد : هو طلاق ثلاث . وقال ابن مسعود : هو طلقة واحدة . وقال ابن عباس هو ظهار ، إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى ، وذلك يدل على أن الصحابة مثلوا الوقائع بنظائرها ، وشبهوها بأمثالها وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها ، وأنه ما من واحد من أهل النظر والاجتهاد منهم ، إلا وقد قال بالرأي والقياس . ومن لم يوجد منه الحكم بذلك ، فلم يوجد منه في ذلك إنكار ، فكان إجماعا سكوتيا ، وهو حجة مغلبة على الظن ، لما سبق تقريره في مسائل الاجماع . وإنما قلنا إنهم قالوا بالرأي والقياس في جميع هذه الصور ، وذلك لا بد لهم فيها من مستند ، وإلا كانت أحكامهم بمحض التشهي والتحكم في دين الله من غير دليل ، وهو ممتنع ، وذلك المستند يمتنع أن يكون نصا ، وإلا لأظهر كل واحد ما اعتمد عليه من النص ، إقامة لعذره وردا لغيره عن الخطأ بمخالفته على ما اقتضته العادة الجارية بين النظار ، ولأن العادة تحيل على الجمع الكثير كتمان نص دعت الحاجة إلى إظهاره في محل الخلاف . وهذا بخلاف ما إذا أجمعوا على حكم في واقعة بناء على نص ، فإنه لا يمتنع اتفاقهم على عدم نقله ، بناء على الاكتفاء في ذلك الحكم بإجماعهم ، ولو أظهروا تلك النصوص ، واحتجوا بها ، لكانت العادة تحيل عدم نقلها ، فحيث لم تنقل ، دل على عدمها ، وإذا لم يكن نصا ، تعين أن يكون قياسا واستنباطا . فإن قيل : لا نسلم أن أحدا من الصحابة عمل بالقياس ، وما نقل عنهم من الاجتهاد في الوقائع المذكورة والعمل بالرأي ، فلعلهم إنما استندوا فيه إلى الاجتهاد في دلالات النصوص الخفية من الكتاب والسنة ، كحمل المطلق على المقيد ، والعام على الخاص ، وترجيح أحد النصين على الآخر ، والنظر في تقرير النفي الأصلي ، ودلالة الاقتضاء ، والإشارة ، والتنبيه ، والايماء ، وأدلة الخطاب ، وتحقيق المناط ، وغير ذلك من الاجتهادات المتعلقة بالأدلة النصية .