الآمدي
260
الاحكام
الإباحة من جهة أخرى ، وهي أنا لو عملنا بما مقتضاه التحريم لزم منه فوات مقصود الإباحة من الترك مطلقا . ولو عملنا بما مقتضاه الإباحة ، فقد لا يلزم منه فوات مقصود الحظر لان الغالب أنه إذا كان حراما فلا بد وأن تكون المفسدة ظاهرة ، وعند ذلك ، فالغالب أن المكلف يكون عالما بها ، وقادرا على دفعها ، لعلمه بعدم لزوم المحذور من ترك المباح ، ولأن المباح مستفاد من التخيير قطعا ، بخلاف استفادة الحرمة من النهي لتردده بين الحرمة والكراهة فكان أولى ، وعلى هذا فلا يخفى وجه الترجيح بين ما مقتضاه الحرمة ، وما مقتضاه الندب . الثاني : أن يكون مدلول أحدهما الحظر ، والآخر الوجوب ، فما مقتضاه التحريم أولى لوجهين : الأول هو أن الغالب من الحرمة إنما هو دفع مفسدة ملازمة للفعل أو تقليلها ، وفي الوجوب تحصيل مصلحة ملازمة للفعل أو تكميلها ، واهتمام الشارع والعقلاء بدفع المفاسد أتم من اهتمامهم بتحصيل المصالح . ولهذا فإن من أراد فعلا لتحصيل مصلحة ينفر عنه إذا عارضه في نظرة لزوم مفسدة مساوية للمصلحة ، كمن رام تحصيل درهم على وجه يلزم منه فوات مثله ، وإذا كان ما هو المقصود من التحريم أشد وآكد منه في الواجب كانت المحافظة عليه أولى . ولهذا كان ما شرعت العقوبات فيه من فعل المحرمات أكثر من ترك الواجبات وأشد ، كالرجم المشروع في زنى المحصن . الوجه الثاني أن إفضاء الحرمة إلى مقصودها أتم من إفضاء الوجوب إلى مقصوده ، فكانت المحافظة عليه أولى . وذلك ، لان مقصود الحرمة يتأتى بالترك ، وذلك كاف مع القصد له أو مع الغفلة عنه ولا كذلك فعل الواجب . وأيضا فإن ترك الواجب وفعل المحرم إذا تساويا في داعية الطبع إليهما ، فالترك يكون أيسر وأسهل من الفعل لتضمن الفعل مشقة الحركة وعدم المشقة في الترك . وما يكون حصول مقصوده أوقع ، يكون أولى بالمحافظة عليه . الثالث : أن يكون حكم أحدهما الحرمة ، والآخر الكراهة ، فالحظر أولى ، لمساواته الكراهة في طلب الترك وزيادته عليه بما يدل على اللوم عند الفعل ، ولأن المقصود