الآمدي
24
الاحكام
المسألة الثانية الذين اتفقوا على جواز التعبد بالقياس عقلا ، اختلفوا : فمنهم من قال : لم يرد التعبد الشرعي به ، بل ورد بحظره ، كداود بن علي الأصفهاني وابنه القاشاني والنهرواني ، ولم يقضوا بوقوع ذلك إلا فيما كانت علته منصوصة أو مومى إليها . وذهب الباقون إلى أن التعبد الشرعي به ، واقع بدليل السمع ، واختلفوا في وقوعه بدليل العقل ، كما بيناه في المسألة المتقدمة ، وأومأنا إلى إبطاله . ثم الدليل السمعي هل هو قاطع أو ظني ؟ اختلفوا فيه : فقال الكل إنه قطعي سوى أبي الحسين البصري ، فإنه قال إنه ظني ، وهو المختار . وقد احتج على ذلك بحجج ضعيفة لا بد من الإشارة إليها والتنبيه على ضعفها ، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار . فمنها كتابية ، وإجماعية ، ومعنوية : أما الكتابية ، فقوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ) * ( النساء : 59 ) ووجه الاحتجاج به أنه أمر بطاعة الله والرسول . والمراد من ذلك إنما هو امتثال أمرهما ونهيهما ، فقوله ثانيا : * ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ) * ( النساء : 59 ) والظاهر من الرد هو القياس ، ولأنه لو أراد به اتباع أوامرهما ونواهيهما ، لكان ذلك تكرارا ، فلم يبق إلا أن يكون المراد به الرد إلى ما استنبط من الأمر والنهي . ولقائل أن يقول : لا نسلم أن المراد من قوله تعالى : * ( فردوه ) * القياس على ما أمر الله ورسوله بل يمكن أن يكون المراد البحث عن كون المتنازع فيه مأمورا أو منهيا ، حتى يدخل تحت قوله : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فالامر الأول بالطاعة للامر والنهي ، والثاني بالبحث عن المتنازع فيه ، هل هو مأمور أو منهي أو لا ، فلا تكرار .