الآمدي

151

الاحكام

إلا على رأي من يجوز التكليف بما لا يطاق ، لان المقصود من التكليف كما يتوقف على فهم أصل الخطاب ، فهو متوقف على فهم تفاصيله . وأما الصبي المميز ، وإن كان يفهم ما لا يفهمه غير المميز ، غير أنه أيضا غير فاهم على الكمال ما يعرفه كامل العقل من وجود الله تعالى ، وكونه متكلما مخاطبا مكلفا بالعبادة ، ومن وجود الرسول الصادق المبلغ عن الله تعالى ، وغير ذلك مما يتوقف عليه مقصود التكليف . فنسبته إلى غير المميز ، كنسبة غير المميز إلى البهيمة فيما يتعلق بفوات شرط التكليف ، وإن كان مقاربا لحالة البلوغ ، بحيث لم يبق بينه وبين البلوغ سوى لحظة واحدة ، فإنه ، وإن كان فهمه كفهمه الموجب لتكليفه بعد لحظة ، غير أنه لما كان العقل والفهم فيه خفيا ، وظهوره فيه على التدريج ، ولم يكن له ضابط يعرف به ، جعل له الشارع ضابطا ، وهو البلوغ ، وحط عنه التكليف قبله تخفيفا عليه . ودليله قوله عليه السلام : رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يبلغ ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يفيق . فإن قيل : إذا كان الصبي والمجنون غير مكلف ، فكيف وجبت عليهما الزكاة والنفقات والضمانات ، وكيف أمر الصبي المميز بالصلاة . قلنا : هذه الواجبات ليست متعلقة بفعل الصبي والمجنون ، بل بماله أو بذمته . فإنه أهل للذمة بإنسانيته المتهيئ بها لقبول فهم الخطاب عند البلوغ ، بخلاف البهيمة ، والمتولي لأدائها الولي عنهما ، أو هما بعد الإفاقة والبلوغ . وليس ذلك من باب التكليف في شئ . وأما الامر بصلاة المميز فليس من جهة الشارع ، وإنما هو من جهة الولي ، لقوله عليه السلام : مروهم بالصلاة ، وهم أبناء سبع وذلك لأنه يعرف الولي ، ويفهم خطابه ، بخلاف خطاب الشارع على ما تقدم .