الآمدي
145
الاحكام
ودليل الجواز العقلي أنه لو خاطب الشارع الكافر المتمكن من فهم الخطاب ، وقال له : أوجبت عليك العبادات الخمس المشروط صحتها بالايمان ، وأوجبت عليك الاتيان بالايمان ، مقدما عليها لم يلزم منه لذاته محال عقلا ، ولا معنى للجواز العقلي سوى هذا . فإن قيل : التكليف بالفروع المشروطة بالايمان ، إما أن تكون حالة وجود الايمان ، أو حالة عدم . فإن كان الأول فلا تكليف قبل الايمان ، وهو المطلوب . وإن كان حالة عدمه فهو تكليف بما هو غير جائز عقلا . وأيضا فإن التكليف بالفروع غير ممكن الامتثال ، لاستحالة أدائها حالة الكفر ، وامتناع أدائها بعد الايمان ، لكونه مسقطا لها بالاجماع . وما لا يمكن امتثاله فالتكليف به تكليف بما لا يطاق ، ولم يقل به قائل في هذه المسألة . قلنا : أما الاشكال الأول ، فإنما يلزم منه التكليف بما لا يطاق بتقدير تكليفه بالفروع حالة الكفر ، إن لو كان تكليفه بمعنى إلزامه الاتيان بها مع الكفر ، وليس كذلك ، بل بمعنى أنه لو أصر على الكفر ، حتى مات ، ولم يأت بها مع الايمان ، فإنه يعاقب في الدار الآخرة ، ولا إحالة فيه . وبهذا الحرف يندفع ما ذكروه من الاشكال الثاني أيضا . كيف وإن الامتثال بعد الاسلام غير ممتنع . غير أن الشارع أسقطه ترغيبا في الدخول في الاسلام ، بقوله عليه السلام : الاسلام يجب ما قبله وهذا بخلاف المرتد ، حيث إنه أوجب عليه فعل ما فاته في حال ردته ليكون ذلك مانعا من الردة . وأما الوقوع شرعا ، فيدل عليه النص والحكم . أما النص فمن وجوه : الأول قوله تعالى : * ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ) * ( 98 ) البينة : 1 ) إلى قوله تعالى : * ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ) * ( 98 ) البينة : 5 ) والضمير في قوله : ( وما أمروا ) عائد إلى المذكورين أولا ، وهو صريح في الباب .