الشريف المرتضى

107

الأمالي

وقال غيره كان ههنا بمعنى خلق ووجد كما قالت العرب كان الحر وكان البرد أي وجدا وحدثا . . وقال قوم لفظة كان وإن أريد بها الماضي فقد يراد بها الحال والاستقبال كقوله تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) أي أنتم كذلك وكذلك قوله تعالى ( هل كنت إلا بشرا رسولا ) وقول الله تعالى ( وكان الله عليما حكيما ) وإن كان قد قيل في هذه الآية الأخيرة غير هذا . . قيل إن القوم شاهدوا من آثار علمه وحكمته تعالى ما شاهدوا فأخبرهم تعالى أنه لم يزل عليما حكيما أي فلا تظنوا انه استفاد علما وحكمة لم يكن عليهما . . ومما يقوى مذهب من وضع لفظة الماضي في موضع الحال والاستقبال قوله تعالى ( وإذ قال الله يا عيسى بن مريم ) وقوله تعالى ( ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ) وقولهم في الدعاء غفر الله لك وأطال بقاك وما جرى مجرى ذلك ومعنى الكل يفعل الله ذلك بك الا أنه لما أمن اللبس وضع لفظ الماضي في موضع المستقبل قال الشاعر فأدركت من قد كان قبلي ولم أدع * لمن كان بعدى في الفضائل مقعدا أراد لمن يكون بعدى . . ومما جعلوا فيه المستقبل في موضع الماضي قول الصلتان العبدي يرثى المغيرة بن المهلب قل للقوافل والغزاة إذا غزوا * والباكرين وللمجد الرائح ( 1 ) إن الشجاعة والسماحة ضمنا * قبرا بمرو على الطريق الواضح ( 2 )

--> ( 1 ) قوله - قل للقوافل - الخ القوافل جمع قافلة وهي الرفقة الراجعة من سفرها إلى وطنها - والغزاة - جمع غاز - والباكرين - جمع باكر يقال بكر بكورا من باب قعد أسرع في الذهاب من أول النهار - وأجد - في الامر اجتهد - والرائح - الراجع ( 2 ) قوله - ان الشجاعة والسماحة - الخ هذا مقول القول . . وروى أيضا ان السماحة والمروءة - والسماحة - الجود والعطاء - المروءة - آداب نفسانية تحمل مراعاتها الانسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات يقال مرؤ الانسان وهو مري كقرب فهو قريب أي ذو مروءة . . قال الجوهري وقد تشدد فيقل مروة - وضمنا - بالبناء للمفعول متعد لمفعولين . . أحدهما نائب الفاعل وهو ضمير التثنية . . والثاني قبرا وهو مقلوب لأنه يقال ضمنت الشئ كذا أي جعلته محتويا عليه وفي القلب هنا نكتة كأنهما لكثرتهما لا يسعهما القبر فهما اشتملا على القبر وأحاطا بجوانبه - ومرو - هنا مرو الشاهجان لا مرو الروذ وكلاهما في إقليم خراسان . . قال ابن خلكان ومن سراة أولاد المهلب أبو فراس المغيرة وكان أبوه يقدمه في قتال الخوارج وله معهم وقائع مشهورة أبان فيها عن نجدة وصرامة وكان مع أبيه في خراسان واستنابه بمرو الشاهجان وتوفى في حياة أبيه سنة اثنين وثمانين في رجب وهذا البيت استشهد به النحويون على أنه أعاد الضمير إلى المؤنثين بضمير المذكرين وكان القياس أن يقول ضمنتا وعده ابن عصفور من قبيل الضرورة