الهيثمي
20
موارد الظمآن
محمد يقول : سمعت أبي يقول : أنكروا على ابن حبان قوله ، النبوة : العلم والعمل ، وحكموا عليه بالزندقة ، وهجروه ، وكتبوا فيه إلى الخليفة ، فأمر بقتله . وسمعت غيره يقول : لذلك أخرج من سمرقند ) ( 1 ) .
--> ( 1 ) لقد تدبرنا ما كتبه ابن حبان في صحيحه من تعليقات ، وما نثره من تأويلات ، علنا نقع على هذه العبارة ، أو على شيء يدل عليها ، أو تأويل يقود إليها ، فلم نجد من ذلك شيئا ، علما بأن سلوك ابن حبان ، ودأبه الدائب في تحصيل الحديث الصحيح ، وحرصه على حفظه من قبل الدارسين للعمل به ، بعد عقله وفهمه يجعلنا نرجح أن هذه المقولة ألصقها به بعض حاسديه من المتزهدين الذين زهدوا في العلم ، فناصبوا أهله العداء ، أو القائلين بالحد الذين أغرقوا فيه حتى كادوا أن يقعوا في التجسيم ، أو بعض الذين ضاق صدرهم بالتأويل والمتأولين فاعتبروهم الأعداء الألداء ، واتهموهم بما هم منه - أو من أكثره - برآء . قال الجاحظ ابن كثير في ( البداية ) 11 / 259 : ( وقد حاول بعضهم الكلام فيه من جهة معتقده ، ونسبه إلى القول بأن النبوة مكتسبة ، وهي نزعة فلسفية ، والله أعلم بصحة غزوها إليه ، ونقلها عنه ) . وقال الحافظ الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) 16 / 96 - 97 : ( هذه حكاية غريبة ، وابن حبان من كبار الأئمة ، ولسنا ندعي فيه العصمة من الخطأ ، لكن هذه الكلمة قد يطلقها المسلم ، ويطلقها الفيلسوف الزنديق . فإطلاق المسلم لها لا يبتغي ، لكن نعتذر فنقول : لم يرد حصر المبتدأ في الخير ، ونظير ذلك قوله - عليه الصلاة والسلام - : ( الحج عرفة ) . ومعلوم أن الحاج لا يصير بمجرد الوقوف بعرفة حاجا ، بل تبقى عليه فروض وواجبات ، وإنما ذكر مهم الحج . وكذا هذا ذكر مهم النبوة ، إذ من أكمل صفات النبي كمال العلم والعمل ، فلا يكون أحد نبيا إلا بوجودهما ، وليس كل من برز فيهما نبيا ، لأن النبوة موهبة من الحق تعالى لا حيلة للعبد في اكتسابها ، بل بها يتولد العلم اللدني ، والعمل الصالح . وأما الفيلسوف فيقول : النبوة مكتسبة ينتجها العلم والعمل ، وهذا كفر لا يريده أبو حاتم أصلا ، وحاشاه ) . وتعقب الحافظ ابن حجر في ( لسان الميزان ) 5 / 114 هذه المقولة بقوله : ( ماذا ؟ إلا تعصب زائد على المتأولين ، وابن حبان كان صاحب فنون ، وذكاء مفرط ، وحفظ واسع إلى الغاية ) .